واشنطن تشطب سوريا من قائمة الإرهاب بعد 47 عامًا من التصنيف
أزالت الولايات المتحدة الأمريكية يوم الاثنين 24 أغسطس 2026 اسم سوريا رسميًا من قائمتها للدول الراعية للإرهاب، مُنهيةً بذلك تصنيفًا استمر 47 عامًا فُرض منذ عام 1979. ويمثّل القرار تحوّلًا جوهريًا في العلاقات الأمريكية-السورية، ويفتح الباب أمام عودة دمشق إلى المنظومة المالية والاقتصادية الدولية.
خلفية القرار ومساره القانوني
أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونغرس رسميًا في الثامن من يوليو 2026 بنيّته رفع التصنيف عن سوريا، وذلك على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع. وبعد انقضاء فترة المراجعة البرلمانية البالغة 45 يومًا دون اعتراض، دخل القرار حيّز التنفيذ عبر إعلان وزارة الخزانة الأمريكية على موقعها الإلكتروني.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن القرار يأتي اعترافًا بـ«الإجراءات الإيجابية والالتزامات الإضافية» التي قدّمتها الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع «لإبعاد سوريا تمامًا عن أعمال الإرهاب الدولي»، وفق ما نقلته وكالة رويترز. وأضاف روبيو أن الحكومة الجديدة اتخذت «خطوات مهمة» لمواجهة تنظيم داعش وتنظيم القاعدة وحزب الله و«المجموعات المرتبطة بإيران»، فضلًا عن انضمام دمشق رسميًا إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش في نوفمبر الماضي.
رفع التصنيف عن هيئة تحرير الشام
لم يقتصر القرار على شطب سوريا من القائمة، بل شمل أيضًا إلغاء تصنيف جبهة النصرة المعروفة باسم هيئة تحرير الشام (Hay'at Tahrir al-Sham) كمنظمة إرهابية عالمية مصنّفة بشكل خاص، وحذفها من قائمة الرعايا المعيّنين والأشخاص المحظورين التابعة لوزارة الخزانة، وفق ما أكدته وكالة الأناضول. وكانت الهيئة من أبرز الفصائل المسلحة المعارضة لنظام بشار الأسد خلال الحرب الأهلية السورية، وقادها أحمد الشرع الذي أصبح رئيسًا لسوريا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
وكان مجلس الأمن الدولي قد رفع العقوبات الأممية عن هيئة تحرير الشام في فبراير 2026 بالإجماع، كما ألغت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف الهيئة كمنظمة إرهابية أجنبية في يوليو 2025. ويُعدّ القرار الأخير الحلقة الأخيرة في سلسلة خطوات رفع القيود الدولية عن الحكومة السورية الجديدة.
تداعيات اقتصادية وآفاق إعادة الإعمار
أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن رفع التصنيف يزيل «العقبة الأخيرة» أمام إعادة ربط سوريا بالنظام المالي والاقتصادي العالمي وتشجيع الاستثمار. ونقلت رويترز عن الشيباني قوله: «لم يعد هناك أي عائق أمام الاستثمار وممارسة الأعمال التجارية وإعادة بناء الحياة الاقتصادية في سوريا».
وكانت واشنطن قد أنهت العقوبات الشاملة على سوريا بموجب قانون قيصر في يوليو 2025، لكنها أبقت على عقوبات مستهدفة ضد الأسد ومقرّبيه ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار المخدرات والجماعات المرتبطة بداعش والقاعدة والوكلاء الإيرانيين. غير أن تصنيف الإرهاب ظلّ يشكّل مصدر مخاطر قانونية ومخاطر امتثال للشركات والبنوك الراغبة في دخول السوق السورية.
وتشير بوادر إلى اهتمام متزايد من القطاع الخاص الدولي؛ إذ أفادت وزارة المالية السورية بأن وزير المالية محمد يسر برنية أجرى محادثات مع مسؤولين في بنك أوف أمريكا (Bank of America) حول التعاون المحتمل وإعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي. كما أعلنت شركة ماستركارد (Mastercard) في مايو الماضي أنها تعمل مع مجموعة بنك قطر الوطني (QNB) والبنك المركزي السوري لتجهيز البنية التحتية للمدفوعات الدولية بالبطاقات في البلاد.
مسار العلاقات الأمريكية-السورية الجديدة
جاء التطبيع بين واشنطن ودمشق عبر سلسلة من المحطات الدبلوماسية البارزة. ففي مايو 2025 التقى ترامب بالشرع في الرياض، وأعقب ذلك زيارة تاريخية للشرع إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2025 هي الأولى لرئيس سوري منذ استقلال البلاد عام 1946. كما كشفت رويترز أن دمشق وافقت على تقليص وارداتها من النفط الروسي بشكل كبير خلال المحادثات مع واشنطن حول رفع تصنيف الإرهاب.
وبرفع سوريا، لم يبقَ في قائمة الدول الراعية للإرهاب الأمريكية سوى ثلاث دول هي كوبا وإيران وكوريا الشمالية. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا أمريكيًا يُراهن على استقرار سوريا كركيزة لأمن الشرق الأوسط، في وقت تتصاعد فيه المواجهة الاقتصادية بين واشنطن وطهران عبر حملة «المنبوذ الاقتصادي» التي أعلنتها الإدارة الأمريكية في اليوم ذاته.
ولا تخلو هذه الخطوة من تحدّيات؛ فسوريا ما زالت تواجه أوضاعًا أمنية هشّة في بعض المناطق، وتحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة إعمار ما دمّرته ما يقرب من 14 عامًا من الحرب. كما أن ملف العلاقات مع إسرائيل يظل مفتوحًا، في ظل استمرار التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية رغم الاتصالات المباشرة بوساطة أمريكية بين دمشق وتل أبيب، وهو ما يراقبه العرب عن كثب باعتباره اختبارًا حقيقيًا لسيادة سوريا الجديدة.
أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وراجعته هيئة التحرير.