تخطَّ إلى المحتوى

بريطانيا تمنع تجارة مستوطنات الضفة الغربية.. أقوى إدانة في تاريخها

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 3 دقائق قراءة
بريطانيا تمنع تجارة مستوطنات الضفة الغربية.. أقوى إدانة في تاريخها

غيّرت بريطانيا في بيان واحد علاقتها بأقدم نزاعات المنطقة: وزير الخارجية إد ميليباند أعلن أمام مجلس العموم حظراً على استيراد البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، ومدّد القيود ليشمل خدمات التمويل والإعلان، في خطوة وصفها بأنها «أقوى إدانة أصدرتها حكومة بريطانية على الإطلاق»، وأعادت لندن إلى صدارة اللاعبين الدوليين في ملف فلسطين بعد شهور من الركون.

من الخطاب إلى العقوبات: ما الذي تغيّر فعلاً؟

الحظر الجديد ليس مجرد شعار دبلوماسي: فهو يمنع تجارة البضائع المستوطنة، ويوسّع العقوبات لتشمل خدمات تمويل المستوطنات والإعلان عنها، ويجعل الاستثمار في المستوطنات عملاً غير قانوني بموجب القانون البريطاني، بحسب ما فصّلته الجزيرة. والبضائع المستوطنة كانت محرومة من التعريفة التفضيلية منذ 2005، لكن الإرشادات الحكومية السابقة كانت بلا سنان؛ أما اليوم فأصبح الامتثال إلزامياً وقابلاً للملاحقة. وقد تحتاج بعض الإجراءات إلى تشريع برلماني كامل، في إشارة إلى أن لندن تستعد لمعركة قانونية طويلة لا لقرار رمزي. والجدير بالذكر أن الخدمات المشمولة — التمويل والإعلان — تمس البنية المالية للمشروع الاستيطاني أكثر مما تمسها شاحنات البضائع، لأن من يموّل المستوطنة يتحرك قبل أن تُباع سلعتها في أي سوق.

وتجدر الإشارة إلى أن التحول لم يأتِ من فراغ: فقد تسارع بعد إعلان إسرائيل مشروع تسوية إ1 الذي حذّر وزير بريطاني من أنه سيقطع الضفة الغربية قسمين شمالاً وجنوباً، وأعلن ميليباند أن من «يموّل المستوطنات أو يسهّلها سيواجه كامل قوة العقوبات البريطانية»، معتبراً أن بريطانيا مضطرة إلى «فضح» التوسع الاستيطاني في الضفة، بحسب ما نقلته بي بي سي. وفي سياق متصل، يصر ميليباند على موقفه السابق من أن القيود الإسرائيلية على مساعدات غزة «تخلق وضعاً مروعاً»، في تحدٍّ صريح لواشنطن التي تهاجم ذات المحاكم الدولية التي يستند إليها البيان البريطاني.

إطار دولي ورأي عام يدفعان نحو الخطوة

الخطوة البريطانية تتسق مع رأي المحكمة العدل الدولية الصادر في 2024 القاضي بوجوب عدم مساعدة الاحتلال، وهي تنهج نفس المنهج في اعتبار كل المستوطنات الساكة بعد 1967 غير شرعية قانونياً. واللافت أن الرأي العام البريطاني سبق حكومته: استطلاع أجرته أوبينيوم لمجلس العلاقات الأوروبية ونشرته الغارديان أظهر أن 46 في المئة من البريطانيين يؤيدون حظر بضائع المستوطنات مقابل 18 في المئة يعارضون، بفارق يتجاوز اثنين إلى واحد بين المؤيدين والمعارضين حتى مع حساب المترددين.

وعلى المستوى الدبلوماسي، أبلغ رئيس الوزراء أندي برنهام نظيره الأميركي دونالد ترامب في اتصال هاتفي أهمية حل الدولتين، فيما عمّمت لندن إحاطات على حلفاء خليجيين بينهم قطر، في مؤشر على أن بريطانيا تريد غطاءً دولياً لتحوّلها لا مواجهة مفتوحة مع واشنطن.

حدود التحول: ما لم يتغير بعد

المفارقة أن الحكومة البريطانية تعتبر كل المستوطنات القائمة بعد 1967 غير شرعية بموجب القانون الدولي، وهو ما يجعل الحظر تطبيقاً منطقياً لموقف معلن منذ عقود. رغم ذلك، هناك ما هو خارج الحظر: لم تفرض لندن عقوبات بسبب قيود المساعدات على غزة، ولم تصل إلى تسمية ما يجري بالإبادة الجماعية، مع احتفاظها بخيار الانضمام إلى جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية بشأن إسرائيل التزاماتها القانونية السابقة. كما أن حظر البضائع — بحجم التجارة البريطانية الإسرائيلية البالغة ستة مليارات جنيه في 2025 — لن يغير اقتصاد الاحتلال وحده ما لم تقف دول أوروبية أكبر في الصف ذاته.

ولندن ليست في بداية الطريق أصلاً: سبق أن فرضت عقوبات على الوزيرَين الإسرائيليين إيتمار بن غفير وبيتزآليل سموتريتش، وتناقش الحكومة إدراج وزراء آخرين في قوائم العقوبات، وهو ما يجعل خطوة اليوم امتداداً لمسار متصاعد لا قراراً منفرداً.

ورغم ذلك، يبقى التحول مهماً لسببين: أوله أن بريطانيا هي حاملي مشروع بلفت الدولتين تاريخياً، وأن تمريرها من الخطاب إلى العقوبات يمنح دولاً أوروبية أخرى غطاءً للمحاكاة. وثانيهما أن الخطوة جاءت في وقت تتصدع فيه الهدنة الغازية أمام اختبارات متلاحقة، كما حذّر مجلس الأمن من انهيارها قبل أيام، ما يجعل أي تحرك دولي منضبط بالقانون الدولي — مهما بدأ صغيراً — رسالة مفادها أن كلفة الاستيطان لم تعد تُدفع بالبيانات فقط.

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية. الصورة: دفير راز عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 3.0.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً