ذرات باردة على متن «تيانغونغ» تختبر مبدأ التكافؤ في المدار
أعلن فريق بحثي صيني أنه أنجز أول اختبار كمومي في المدار لأحد أعمدة النظرية النسبية العامة، بعد أن أطلق سحابتين من ذرات الروبيديوم البارد في حالة سقوط حر داخل محطة الفضاء الصينية «تيانغونغ» وقاس تسارع كلٍّ منهما على حدة. ونُشرت النتيجة يوم الجمعة 28 أغسطس/آب 2026 في دورية «ساينس أدفانسز»، تحت عنوان «اختبار مداري لمبدأ التكافؤ الضعيف بواسطة تداخل الذرات». وخلصت القياسات إلى أن الذرتين تسقطان بالتسارع نفسه ضمن هامش لا يتجاوز خمسة أجزاء من عشرة ملايين، أي دون أي أثر لخرق المبدأ.
من برج بيزا إلى مدار منخفض
مبدأ التكافؤ الضعيف — وهو الفكرة القائلة إن كل الأجسام تسقط في حقل جاذبية واحد بالتسارع ذاته مهما اختلفت كتلها أو تركيبها — هو الحجر الذي بنى عليه ألبرت أينشتاين النسبية العامة عام 1915. وقد اختُبر هذا المبدأ مرارًا منذ التجارب المنسوبة إلى غاليليو، ثم بموازين الالتواء في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأخيرًا في الفضاء.
المشكلة أن الاختبار على سطح الأرض محكوم بجدران المختبر: الجسم الساقط لا يملك سوى أمتار قليلة وأجزاء من الثانية قبل أن يصطدم بالأرض، وهو ما يضع سقفًا صلبًا أمام الدقة. أما في المدار، فالسقوط الحر حالة دائمة لا تنتهي، وهذا بالضبط ما يجعل المحطات الفضائية مختبرًا مثاليًا لهذا النوع من القياس.
ما الذي جرى داخل المحطة
اعتمدت التجربة على حمولة علمية اسمها «مقياس التداخل الذري البارد»، وصلت إلى المحطة على متن مركبة الشحن «تيانتشو-5» في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ورُكّبت داخل وحدة المختبر في 10 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه. ووفق الورقة الوصفية للجهاز المنشورة في دورية «إن بي جيه مايكروغرافيتي»، فإن الحمولة صغيرة نسبيًا: نحو 460 × 330 × 260 مليمترًا، وكتلة تقارب 37 كيلوغرامًا، واستهلاك ذروة لا يتعدى 70 واطًا، مع غرفة تفريغ يبلغ ضغطها 10 أُس سالب 8 باسكال.
ويعمل الجهاز على تبريد نظيرين من الروبيديوم بالليزر — الروبيديوم-85 والروبيديوم-87 — إلى درجات حرارة تقترب من الصفر المطلق. النظيران يحملان العدد نفسه من البروتونات ويختلفان في عدد النيوترونات، أي أن كتلتهما وتركيبهما النووي مختلفان بينما كيمياؤهما شبه متطابقة، وهو ما يجعلهما زوجًا مثاليًا للمقارنة.
وبدل مراقبة السقوط بالعين أو بالكاميرا، تستغل التجربة الطبيعة الموجية للذرات: تُشطر كل سحابة ذرية بنبضات ليزر إلى مسارين، ثم يُعاد جمعهما، فيحمل نمط التداخل الناتج بصمة دقيقة للتسارع الذي تعرّضت له. هذه التقنية، المعروفة بقياس التداخل الذري، هي ما يمنح التجربة صفة «الكمومية»: الجسم الساقط هنا ليس كرة معدنية بل مادة تخضع لقوانين ميكانيكا الكم.
الرقم ومعناه
النتيجة تُقدَّم عادة عبر ما يسمى «معامل أوتفوش»، وهو مقياس للفارق النسبي بين تسارعَي الجسمين. وبحسب النسخة الأولية للبحث المنشورة على منصة «أركايف»، بلغت القيمة المقيسة سالب 3.1 مع هامش خطأ قدره 4.6، مضروبةً في 10 أُس سالب 7. أي أن النتيجة متوافقة مع الصفر ضمن هامش الخطأ: لا خرق للمبدأ، والفارق بين النظيرين، إن وُجد، أصغر من قدرة الجهاز على رصده.
الأهم من الرقم نفسه هو موقعه من سابقيه. فالفريق يذكر أن هذا القياس يتفوق على أفضل اختبارات مبدأ التكافؤ التي أُجريت سابقًا بالتداخل الذري في بيئة انعدام الجاذبية بثلاث مراتب عشرية، أي بنحو ألف ضعف. وقد أشارت مجلة «ساينس نيوز» إلى أن هذه هي المرة الأولى التي تُختبر فيها ذرات بهذه الطريقة وهي في مدار حول الأرض، ونشرت الدورية العلمية النص الكامل للبحث بتوقيع الباحث د. تشانغ وزملائه.
أين يقف هذا من «ميكروسكوب»
من المهم عدم الخلط بين نوعين مختلفين من الاختبارات. فالقياس الأدق حتى اليوم لمبدأ التكافؤ لا يزال من نصيب القمر الاصطناعي الفرنسي «ميكروسكوب»، الذي قارن بين كتلتين اختباريتين من البلاتين وسبيكة التيتانيوم وهما تدوران حول الأرض. وقد نشرت «فيزيكال ريفيو ليترز» نتائجه النهائية عام 2022، وبلغت دقتها جزءًا واحدًا من ألف تريليون، أي 10 أُس سالب 15 كما أوردت «ساينس ديلي» في تغطيتها آنذاك. وهو رقم يتقدّم على النتيجة الصينية بنحو ثمانية أوامر عشرية.
الفارق أن «ميكروسكوب» استخدم أجسامًا كلاسيكية كبيرة، بينما تسقط في «تيانغونغ» ذرات مفردة. والسؤال الذي يقلق الفيزيائيين ليس فقط «هل يصمد المبدأ؟» بل «هل يصمد أيضًا عند حدود العالم الكمومي؟» — إذ إن معظم محاولات توحيد الجاذبية مع ميكانيكا الكم تتوقع خرقًا صغيرًا جدًا للمبدأ عند مستوى ما. ولهذا فإن اختبارًا أقل دقة بأجسام كمومية قد يكون، من زاوية معينة، أثمن من اختبار أدق بأجسام كلاسيكية.
سقف الطموح
الحمولة نفسها صُمّمت لما هو أبعد. فالورقة الوصفية للجهاز تتحدث عن دقة مستهدفة في حدود 10 أُس سالب 10، مع إمكان بلوغ 10 أُس سالب 11 أو 12 إذا مُدّدت فترة التشغيل وجُمعت بيانات أطول. وبين النتيجة المنشورة اليوم وهذا الهدف مسافة تُقطع بالصبر والتراكم لا بقفزة واحدة.
وتصبّ التجربة في مسار أوسع من الفيزياء الأساسية التي انتقلت إلى المدار، من مراصد الموجات الثقالية إلى التلسكوبات التي تلاحق الطاقة المظلمة، ومنها تلسكوب رومان الفضائي الذي تستعد ناسا لإطلاقه. القاسم المشترك بينها أن الإجابات المطلوبة لم تعد متاحة داخل المختبرات الأرضية، وأن كل تحسين في الدقة — ولو بمرتبة عشرية واحدة — يضيّق المساحة التي يمكن أن تختبئ فيها فيزياء جديدة.
وحتى الآن، لم تظهر تلك الفيزياء. المبدأ الذي صاغه أينشتاين قبل أكثر من قرن اجتاز اختبارًا آخر، هذه المرة بذرات باردة تدور حول الأرض كل تسعين دقيقة.
الصورة: ناسا عبر أنسبلاش، رخصة Unsplash.
أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.
مواضيع ذات صلة
شارك هذا المقال
اقرأ أيضاً
وميضٌ واحد على عمق ميل تحت الأرض: هل اقتربنا من كشف المادة المظلمة؟
أعلنت تجربة «إل زد» الأمريكية رصد حدثٍ وحيد عجزت عن تفسيره بأي خلفية معروفة، في أقوى إشارة حتى الآن إلى المادة المظلمة، مع تحفّظ العلماء على إعلان أي اكتشاف.
حقول مغناطيسية من لحظات الانفجار العظيم قد تفك أحجية الكون
محاكاة ثلاثية الأبعاد تلمّح إلى أن حقولاً مغناطيسية بدائية سرّعت تشكّل أول ذرات الهيدروجين وتعدّل «مسطرة الكون» التي تفسر تناقض قياسات التوسع.
ثلاث موجات ماء في فوهة واحدة: المريخ بقي صالحاً للحياة أطول مما ظنّا
مسبار «الإصرار» يكشف أن صخور حافة فوهة جيزيرو تفاعلت مع المياه الجوفية والبحيرات والمياه الحرارية في ثلاث مراحل متعاقبة، ما يرفع شروط السكنية على المريخ القديم.

