حقول مغناطيسية من لحظات الانفجار العظيم قد تفك أحجية الكون

منذ قرابة عقد، يقف علم الكون أمام مفارقة محرجة: الكون يتمدد بسرعة، لكن أدوات القياس الأدق تختلف على «كم بالضبط». والآن يقدم فريق دولي مفتاحاً محتملاً من غير مكان المتوقع: حقول مغناطيسية ضئيلة وُلدت خلال لحظات الكون الأولى، وترك بصمتها على أقدم ضوء في الوجود، وفق دراسة نشرتها مجلة «نيتشر أسترونومي».
أحجية الثابت المزعج
يُقاس معدل التمدد، المعروف بثابت هابل، بطريقتين متكاملتين. الأولى تنطلق من إشعاع الخلفية الكونية الميكروي — وهج البلازما البدائية المتجمد الذي يلتقطه مقراب «بلانك» — ثم تُمرَّر عبر النموذج القياسي لتاريخ الكون فتعطي نحو 67 كيلومتراً في الثانية لكل ميغابارسك. والثانية تعتمد قياساً مباشراً للمجرات المتباعدة عبر «الشموع القياسية» من مستعرات عظمى من النوع الأول أ، معايَرة بنجوم السيفي، كما ترصدها مقرابات هابل وجيمس ويب، فتعطي نحو 73 بالوحدة نفسها. والفجوة بين الرقمين كبيرة إحصائياً لدرجة يصعب نسبتها إلى الخطأ التجريبي، ما يوحي بأن النموذج القياسي ينقصه مكوّن ما.
ماذا تفعل الحقول المغناطيسية بإعادة تركيب الهيدروجين؟
اقترح كارستن ييدامتسيك من جامعة مونبلييه وليفون بوغوسيان من جامعة سايمون فريزر الفكرة قبل سنوات واختبرها بنموذج مبسط عام 2020. والآن انضم إليهما توم آبل من جامعة ستانفورد بأداة الحسم: أول محاكاة ثلاثية الأبعاد كاملة لبلازما الكون البدائي تحمل حقولاً مغناطيسية داخلها، تتبع تشكل ذرات الهيدروجين الأولى خطوة بخطوة. وتُظهر المحاكاة أن الحقول البدائية — لو وُجدت — كانت تدفع الجسيمات المشحونة وتجرها، فجعلت المادة «متكتلة» قليلاً أكثر من المتوقع، وبذلك زادت فرص التقاء الإلكترونات بالبروتونات وتشكل الهيدروجين المتعادل، أي أن «إعادة التركيب» الكبرى التي شفّف بها الكون جرت أسرع، وفق المقال الذي نشره الباحثون الثلاثة أنفسهم في «ذا كونفيرسيشن».
وهذا التسريع يغير «مسطرة الكون»: فأحجام التموجات الظاهرة في خريطة الخلفية الميكروية تعتمد على الموعد الذي شفّف فيه الكون، وتعديل هذا الموعد يعدّل سرعة التمدد المستنبطة من الخريطة نحو القيمة الأعلى التي تقيسها الشموع القياسية مباشرة — أي أن الرقمين قد يلتقيان من غير الحاجة إلى طاقة مظلمة جديدة أو تعديلات جذرية في النظرية.
اختبار من العيار الثقيل
وللمرة الأولى اجتازت الفرضية اختباراً صارماً بهذا المستوى من التفصيل: فقد استبدل الفريق بنموذجه المبسط لعام 2020 محاكاة ديناميكية مغناطيسية حرارية ثلاثية الأبعاد تتعقب تشكل الهيدروجين في بلازما بدائية محمّلة بالحقول، ثم مرّر تنبؤاتها عبر نماذج الخلفية الكونية وقارنها بالرصد الفعلي في تركيبات متعددة من البيانات، فبقيت الفرضية حية بعد «أعقد اختبار متاح اليوم» — وهي عبارة استخدمها المؤلفون أنفسهم. وإن صحت القصة كاملة فالمكسب مزدوج: فالقوة الميدانية المطلوبة لتخفيف تناقض ثابت هابل هي ذاتها تقريباً ما تحتاجه «البذور» الأولية لتفسير الحقول المغناطيسية التي ترصدها المجرات وعناقيدها اليوم، أي حلّان لأحجيتين منفصلتين بخيط واحد، كما أورد ملخص الجامعات المشاركة.
إشارة، لا اكتشاف
عند مقارنة التنبؤات بالبيانات ظهر تفضيل ثابت لكنه معتدل للحقول البدائية، بقوة دلالية بين 1.5 و3 انحرافات معيارية بحسب تركيبة البيانات. والقوة الميدانية المفضلة، بين 5 و10 بيكوغاوس اليوم، تقع في النطاق المتوقع لهذه الفرضيات. وتعتمد المقارنة على بصمة دقيقة: فالحقول البدائية، بقوتها المتواضعة، تترك آثاراً صغيرة في نمط استقطاب الخلفية الميكروية وفي تباعد تموجاتها الحرارية، وهي التفاصيل التي تصمم التجارب الأرضية القادمة عدة رصدها بدقة أعلى من أي رصد سابق. ويحرص المؤلفون على ضبط الحماس: هذه «ليست بعد اكتشافاً، بل إشارة ذات معنى إلى وجودها».
إن صحت النتيجة النهائية، فالحصاد أوسع من رقم واحد: نافذة إلى فيزياء الكون حين كان عمره أجزاءً من الثانية، عند طاقات «تبعد عنا بما لا يبلغه أي مصفّ على الأرض». والحسم قريب نسبياً: التجارب المقبلة لرصد الخلفية الميكروية بدقة أعلى، الحساسة لمرحلة إعادة التركيب نفسها، قادرة خلال السنوات القليلة المقبلة على تأكيد الإشارة أو إسقاطها. وستُحسم بذلك إحدى قضيتين في آن واحد: إما أن الكون يحمل حقلاً مغناطيسياً أولياً شبه معدوم القوة لكنه محفور في أقدم صوره، وإما أن تناقض ثابت هابل — كما بحثنا سابقاً في إشارة المادة المظلمة وما يجاورها من ألغاز — يقودنا إلى فيزياء أغرب مما نتصور.
الصورة: خريطة الخلفية الكونية الميكروية عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY 4.0.
أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.
مواضيع ذات صلة
شارك هذا المقال
اقرأ أيضاً
وميضٌ واحد على عمق ميل تحت الأرض: هل اقتربنا من كشف المادة المظلمة؟
أعلنت تجربة «إل زد» الأمريكية رصد حدثٍ وحيد عجزت عن تفسيره بأي خلفية معروفة، في أقوى إشارة حتى الآن إلى المادة المظلمة، مع تحفّظ العلماء على إعلان أي اكتشاف.
ذرات باردة على متن «تيانغونغ» تختبر مبدأ التكافؤ في المدار
أول اختبار كمومي في المدار لمبدأ التكافؤ الضعيف: ذرات روبيديوم باردة تسقط داخل محطة «تيانغونغ» الصينية فتؤكد ما تنبأت به نسبية أينشتاين.
دراسة ضخمة تراجع مخاوف الأغذية فائقة المعالجة والسرطان
أكبر تحليل من نوعه لم يجد ارتباطاً إجمالياً بين الأغذية فائقة المعالجة وسرطان القولون، لكن التفاصيل تفرق: اللحوم المعالجة ترفع الخطر والحبوب الكاملة تخفضه.
