تخطَّ إلى المحتوى

دراسة ضخمة تراجع مخاوف الأغذية فائقة المعالجة والسرطان

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 3 دقائق قراءة
دراسة ضخمة تراجع مخاوف الأغذية فائقة المعالجة والسرطان

في واحدة من أكبر التحليلات الوبائية من نوعها، تتبع باحثون من المعهد الوطني الأمريكي للسرطان بيانات 461,682 شخصاً على مدى نحو تسعة عشر عاماً، فلم يجدوا ارتباطاً إجمالياً بين استهلاك الأغذية فائقة المعالجة والإصابة بسرطان القولون والمستقيم — أحد أكثر أنواع السرطان شيوعاً عالمياً. لكن النتيجة، المنشورة في دورية «بلوس ميديسن» وظهرت تغطيتها الواسعة هذا الأسبوع، ليست إذناً مفتوحاً للأكل: فحين فصل الباحثون الأنواع بعضها عن بعض، ظهرت فروق حقيقية تقلب السؤال من «هل هذه الأغذية معالجة؟» إلى «ماذا يوجد داخلها؟».

ماذا فعلت الدراسة بالضبط؟

اعتمد الفريق بقيادة إريكا لوفيلد من المعهد الوطني للسرطان على دراسة النظام الغذائي والصحة التابعة للمعاهد الوطنية للصحة الأمريكية، التي سجلت بين عامي 1995 و1996 أكثر من 461 ألف أميركي تراوحت أعمارهم بين 50 و71 عاماً، ثم تتبعتهم حتى عام 2018 بوسيط يقارب 19 عاماً من المتابعة، وفق الملخص الذي نشرته «ساينس ديلي». وصُنفت أطعمتهم وفق نظام «نوفا» المعروف الذي يفرّق الأغذية غير المعالجة والمطبخية والمعالجة وفائقة المعالجة، ثم قورنت معدلات الإصابة بسرطان القولون عبر فئات الاستهلاك.

فقالت الخلاصة الأولى: لا ارتباط إجمالياً بين حصة الأغذية فائقة المعالجة من الغذاء وخطر الإصابة. وقالت إريكا لوفيلد في معرض النتائج: «لم نرصد ارتباطاً بين إجمالي استهلاك الأغذية فائقة المعالجة ومعدل الإصابة بسرطان القولون»، مضيفة أن النتائج تنسجم مع الإرشادات الغذائية القائمة. لكن الخلاصة الثانية هي الأهم عملياً: فحين قسم الباحثون هذه الأغذية إلى مجموعات، ارتبطت اللحوم فائقة المعالجة — كالنقانق واللحوم الباردة — بخطر أعلى، بينما ارتبطت الحبوب الكاملة والألياف ومنتجات الألبان والكالسيوم فائقة المعالجة بخطر أقل. وخلص التحليل إلى أن إحلال 10% من الأغذية فائقة المعالجة بأغذية أقل معالجة يرتبط بانخفاض نحو 2% في معدل الإصابة.

لماذا ليست كل الأغذية فائقة المعالجة سواء؟

يستخدم الباحثون نظام «نوفا» لتصنيف الأغذية بحسب درجة معالجتها لا بحسب محتواها الغذائي، وهنا مكمن المفارقة التي كشفتها الدراسة: رغيف الحبوب الكاملة المصنع صناعياً وحصة من اللحوم الباردة كلاهما «فائق المعالجة» في هذا التصنيف، لكن أولهما يقدم أليافاً ومغذيات وثانيهما ملحاً ودهوناً مشبعة ونترات. وقد لخص خبراء مستقلون النتيجة بعبارة «ليست كل الأغذية فائقة المعالجة متساوية» حين يتعلق الأمر بسرطان الأمعاء، كما نقلت تغطية «يو إس إيه توداي» وغيرها من الصحف الأمريكية التي عنونت بعضها صراحة بعدم وجود صلة إجمالية.

ويبقى للدراسة حدودها المنهجية التي يجب ذكرها: فهي رصدية لا تثبت سببية، وقاست النظام الغذائي مرة واحدة عند التسجيل قبل ثلاثة عقود تقريباً، والعينة أمريكية متقدمة في العمر ومن خلفية محدودة التنوع، كما أن سوق الأغذية فائقة المعالجة تغير كثيراً منذ التسعينيات. لذلك تبقى القيمة الأكبر للنتيجة في توجيه السياسات والبحوث نحو تركيبة الغذاء لا شارة التصنيف وحدها، في انتظار دراسات تقيس الغذاء مراراً عبر الزمن وتشمل عينات أصغر سناً وأكثر تنوعاً لتأكيد ما وصلت إليه هذه العينة الكبيرة.

ماذا يعني ذلك للمائدة العربية؟

تكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة للمنطقة العربية، حيث يتجه استهلاك الأغذية فائقة المعالجة إلى الارتفاع مع التحضر وتوسع سلاسل المتاجر؛ فقد راجعت دراسة حديثة في «نيتشر ساينتيفيك ريبورتس» سبعة عشر بحثاً في دول الشرق الأوسط ووجدت أن أربعة عشر منها تربط زيادة استهلاك هذه الأغذية بارتفاع أوزان الأطفال والمراهقين. أي أن ملف السرطان تحديداً قد هدأت المخاوف حوله بهذا التحليل الكبير، لكن ملف السمنة والسكري — العبء الأثقل على صحة المنطقة — ما يزال قائماً بلا جدل.

الرسالة العملية إذاً ليست «كُل ما تشاء من الأغذية المصنعة»، بل إعادة ترتيب الأولويات داخل سلة التسوق: الحبوب الكاملة ومنتجات الألبان الغنية بالكالسيوم عناصر مرتبطة بانخفاض الخطر حتى لو كانت مصنعة، بينما اللحوم المعالجة هي البند الذي تستهدفه الإرشادات بالتقليل أياً كان تصنيفه. وتذكّر المنطقة بذلك أن أبحاث السرطان الكبرى تتقدم خطوة في كل موسم — من العقار المعتمد حديثاً للبنكرياس إلى دراسات الوقاية الغذائية الكبرى — وأن الوقاية الغذائية المتواضعة والرتيبة تظل أرخص سلاح متاح وأكثره جدوى.

الصورة: formulatehealth عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY 2.0.

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً