تخطَّ إلى المحتوى

لماذا تتضاعف تشخيصات التوحد وفرط الحركة؟ دراسة ضخمة تجيب

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 3 دقائق قراءة
لماذا تتضاعف تشخيصات التوحد وفرط الحركة؟ دراسة ضخمة تجيب

أكثر من مليوني طفل ومراهق دنماركي، ورصد يمتد عشر سنوات كاملة: هذه مادة أكبر دراسة من نوعها لمحاولة فهم لغز يشغل الأنظمة الصحية والتعليمية حول العالم — لماذا تتصاعد أعداد تشخيصات «فرط الحركة وتشتت الانتباه» (ADHD) و«اضطراب طيف التوحد» (ASD) بهذه الوتيرة؟ والجواب الذي نشرته مجلة «جي إم إيه للطب النفسي» مطمئن ومقلق في آن: الأطفال الذين يُشخَّصون اليوم يشبهون عامة السكان أكثر من أي وقت مضى، ما يرجّح أن الطفرة تعود أساساً إلى اتساع شبكة الرصد، لا إلى مضاعفة المرض نفسه.

ماذا وجدت الدراسة؟

قارن فريق من جامعة آرهوس الدنماركية ومعهد «آي إس جلوبال» البارسلوني للأبحاث الصحية بين أكثر من 71 ألف طفل شُخّصوا بين عامي 2012 و2022 وأكثر من 713 ألفاً من أقرانهم غير المشخصين، مستعرضاً العوامل المعروفة بارتفاع خطر هذين التشخيصين: الولادة المبكرة، وانخفاض وزن الولادة، والحرمان الاجتماعي، والتاريخ النفسي العائلي، وكثافة الاستخدام السابق للخدمات الصحية، وفق الملخص الذي أعدّه فريق الدراسة.

المفاجأة أن كل هذه الارتباطات ما تزال قائمة لكنها ضعفت بشكل حاد خلال العقد. مثال صارخ: كان الأطفال مواليد الأوزان المنخفضة أكثر احتمالاً بنسبة 54% للتشخيص في مطلع الفترة، فهبط الفارق إلى 17% في نهايتها. بعبارة أخرى، انفتح المظلة على أطفال لا يحملون العوامل الخطر التقليدية، وهذا وحده يكشف طبيعة الموجة.

تشخيص يتوسع، لا مرض يتضاعف

تفسير الفريق أن ما يحدث هو «تعريف أوسع»: وعي مجتمعي أكبر، وكشف أبكر من قبل المدرسين والأطباء، وتوسع الوصول إلى التقييمات، وتحول في العتبة التي يصبح عندها السلوك «مُعوِّقاً» يستوجب تشخيصاً. وقد حرص المؤلف الأول، الطالب الدكتور ماغنوس إلياس تارب، على ضبط الدلالة قائلاً: «الرسالة الأساسية ليست أن عوامل الخطر هذه لم تعد مهمة». وأكد المشرف على الدراسة أوليغور بيانا-ريبول أنها لا تقول إن هناك تشخيصاً زائداً أو أن الحالات أخف، بل إن «السكان الذين يتلقون هذه التشخيصات تغيّروا عبر الزمن».

ويبقى التحذير المنهجي قائماً: الدراسة رصدت ارتباطات لا أسباباً، ولم تتمكن من قياس وزن كل عامل على حدة، كما أن إجراؤها في بلد واحد ذي نظام صحي موحّد يجعل تكرارها في بيئات أخرى شرطاً لازمًا لتعميم دلالتها، وهو ما أكده الفريق نفسه في خلاصته.

وهذا التمييز ليس أكاديمياً؛ فهو يحدد كيف يجب أن تُقرأ أرقام الانتشار المتصاعدة في كل تقرير جديد: ارتفاع التشخيص لا يعني تلقائياً ارتفاع الحدوث الأساسي، وكذلك تحسّن مآلات الأطفال المشخصين قد يعود جزئياً إلى تغيّر هوية المشخَّصين لا إلى تحسن العلاج نفسه، بحسب ما أورده ملخص مستقل للدراسة.

ماذا يعني هذا للمنطقة العربية؟

الدراسة دنماركية ولا يمكن نقل نتائجها حرفياً إلى مجتمعات أخرى، لكنها تضع إطاراً مفيداً لفهم ما يجري في المنطقة. ففي المقابل تماماً للدنمارك، تشير مراجعة منهجية حديثة إلى أن انتشار التوحد الموثق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفع نحو 70% بين 1990 و2019، لكن الأرقام المسجلة ما تزال أدنى من المعدلات الغربية، والسبب المعلن ليس انخفاضاً حقيقياً بل نقص تشخيص وبنية خدمات وشاشات تقييم غير معدّلة ثقافياً. ومراجعة سابقة لدول الخليج وثّقت أرقام انتشار بين 1.4 و29 لكل عشرة آلاف، أوضح بكثير من مثيلاتها في أوروبا، مع تأخر في العمر عند التشخيص الأول، بحسب توصيف الباحثين.

المعادلة إذن واحدة في الاتجاهين: حجم الموجة المرصودة تحكمه قوة شبكة الرصد قبل حجم الظاهرة الكامنة. وللدول العربية رسالتان من الدنمارك: الأولى أن بناء قدرة التشخيص المبكر سيؤدي حتماً إلى قفزات في الأرقام الرسمية ينبغي تفسيرها بوصفها اكتشافاً لحالات كانت مجهولة، لا وباءً جديداً يستدعي الذعر أو الوصم. والثانية أن التخطيط للمدارس والتأهيل يجب أن يُبنى على الحاجة الفعلية المرصودة ميدانياً لا على أرقام سجلات ناقصة، لأن الفجوة بين المشخص والمحتاج إلى دعم هي — كما تُظهر التجربة الدنماركية — أصغر مما نتخيل، والتكلفة الحقيقية للتأخر لا يدفعها النظام الصحي وحده بل الأسرة والطفل معاً. وهنا تلتقي هذه القصة مع سؤال أوسع طرحناه سابقاً حول العلاجات المناعية الحديثة: العلم يتقدم، لكن من يستفيد أولاً يحدده نظام الرصد والرعاية قبل المختبر.

الصورة: MissLunaRose12 عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 4.0.

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً