وميضٌ واحد على عمق ميل تحت الأرض: هل اقتربنا من كشف المادة المظلمة؟

في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، أعلن فريق تجربة «إل زد» (LUX-ZEPLIN) — أكبر تجربة في العالم للبحث المباشر عن المادة المظلمة — رصدَ حدثٍ واحد داخل كاشفه عجز عن تفسيره بأي مصدر خلفي معروف، في أقوى إشارة إلى هذه المادة الغامضة تصدر عن تجربة من نوعها حتى اليوم. جرى الإعلان في مؤتمر «فيزياء الفلك عند طاقة تيرا إلكترون فولت» (TeVPA) في مدينة تندو اليابانية، وسط تأكيد الفريق نفسه أن النتيجة لا ترقى بعد إلى مستوى الاكتشاف.
حدث واحد بميزان بالغ الدقة
يقع كاشف «إل زد» على عمق نحو ميل (1.6 كيلومتر) تحت سطح الأرض، داخل منجم الذهب السابق «هومستيك» في مدينة ليد بولاية داكوتا الجنوبية الأمريكية، ضمن مرفق سانفورد للأبحاث تحت الأرض. ويحتوي الكاشف على عشرة أطنان من الزينون السائل فائق النقاء مبرَّد إلى ما دون 108 درجات مئوية تحت الصفر، يحيط به خزان ماء وطبقات رصد خارجية تقيه من النيوترونات وغيرها من الإشعاعات التي قد تنتحل إشارة المادة المظلمة، بينما تدرأ عنه صخورٌ بسمك ميل كامل الأشعةَ الكونية.
حلّل الفريق 220 يوماً من البيانات جُمعت بين مارس/آذار 2023 وأبريل/نيسان 2024، بما يعادل تعريضاً مقداره 2.84 «سنة-طن» بحسب الموقع الرسمي للتجربة. وخلافاً للبحث التقليدي الذي يستهدف تفاعلات منخفضة الطاقة تقل عن 50 كيلو إلكترون فولت، وسّع البحث الجديد نافذته إلى نحو 270 كيلو إلكترون فولت لاستكشاف نماذج نظرية تتوقع للمادة المظلمة طاقات أعلى.
وفي هذا النطاق ظهر حدث واحد يشبه ارتداداً نووياً بطاقة 248 كيلو إلكترون فولت بهامش عدم يقين يقارب 23 كيلو إلكترون فولت. ولضمان حياد التحليل، حقن الفريق بياناته سراً بأحداث وهمية تحاكي الإشارة المطلوبة — وهي ممارسة تعرف بـ«التمليح» — ثم كشف عنها بعد اكتمال العمل. نقلت مجلة «نيتشر» عن المتحدث باسم التجربة ريتشارد غايتسكيل من جامعة براون قوله: «بعد أن أزلنا "الملح"، بقي حدث واحد فقط».
لماذا لا يستبق العلماء الأحداث؟
تقابل النتيجة «توتراً» مع فرضية الخلفيات الصرفة عند دلالة إحصائية عالمية تبلغ 2.6 انحراف معياري بعد تصحيح تعدد الفرضيات المفحوصة، وتبلغ الدلالة الموضعية القصوى 3.4 انحراف، وفق ما أورده الموقع الرسمي للتجربة. ويعني ذلك عملياً، بحسب ما أوضح مختبر لورنس بيركلي الوطني الذي يدير التجربة، أن احتمال أن يكون الحدث ناتجاً عن مصادر معروفة لا يتجاوز 0.5%، غير أن عتبة إعلان الاكتشاف في الفيزياء تظل أعلى بكثير عند خمسة انحرافات معيارية.
قال أرون مانالاساي، الفيزيائي في بيركلي ورئيس المجلس المؤسسي للتجربة: «هذه أول حالة في أي تجربة عملت عليها يظهر فيها حدث شاذ يبدو سليماً من كل النواحي». في المقابل، حذّر إريك دال، الأستاذ في جامعة نورث وسترن وأحد مؤلفي الدراسة، في بيان جامته من الاستعجال: «لا أعتقد أن أحداً في هذا المجال سيحاول إعلان اكتشاف بناءً على حدث واحد».
والتاريخ أطفأ حماس الفيزيائيين مراراً؛ فإشارات سابقة وُصفت بأنها واعدة تبين لاحقاً أنها زائفة، كما أن نيوترونات عالية الطاقة قادرة على تقليد إشارة مماثلة. وتزيد الحذر أن تجربتي «زينون» في مختبر غران ساسو الإيطالي و«باندا إكس» في الصين لم تسجلا شيئاً في النطاق ذاته، بحسب ما أفادت «نيتشر».
سباق عالمي خلف مكوّن غير مرئي
تُقدَّر المادة المظلمة بنحو 85% من مجموع مادة الكون، وهي لا تصدر ضوءاً ولا تمتصه ولا تعكسه، ولا يعرف العلم بعدُ ماهيتها، كما تشرح المنظمة الأوروبية للبحث النووي «سيرن». والمرشح النظري الأبرز منذ عقود هو «الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل» (WIMPs) التي تفوق كتلتها كتلة البروتون بأضعاف كثيرة دون أن تتفاعل مع الضوء.
يعمل في «إل زد» 250 باحثاً ومهندساً من 39 مؤسسة أمريكية ودولية، فيما تتوزع جهود منافسة بين نفق مختبر غران ساسو تحت جبل الألب الإيطالي ومختبر مدفون تحت جبال الصين، إذ تتسابق فرق من أنحاء العالم لتحقيق أول رصد مباشر لمادة تشكّل الغالبية العظمى من مادة الكون.
وإذا صحّ تفسير الحدث مادةً مظلمة، فإن كتلة الجسيم المسؤول تبلغ 200 جيجا إلكترون فولت على الأقل — أي نحو 200 ضعف كتلة البروتون — وربما تقترب من ألف جيجا إلكترون فولت وفق تقديرات «نيتشر»، ما يعني أن التفاعل يقع خارج أبسط نماذج «ويمب» المعتمدة.
ما التالي؟
النتيجة المعلنة مبنية على ربع كمية البيانات المتوقعة خلال عمر التجربة فقط، والفريق — الذي يملك أصلاً أكبر مجموعة بيانات للمادة المظلمة في العالم — واصل جمع الأحداث ليرى ما إذا كانت الإشارة تتعزز أم تتلاشى. وتُرفع ورقة علمية بالنتائج إلى مجلة «الرسائل المراجعة للفيزياء» (Physical Review Letters) مع نشر تمهيدي على مستودع «أركايف»، وفق الموقع الرسمي للتجربة.
وتأتي هذه الإشارة في لحظة نشطة لفيزياء الدقة: فبينما تختبر ذرات باردة على متن محطة «تيانغونغ» الصينية مبدأ التكافؤ في المدار، يواصل قمر «باندورا» التابع لناسا رصد أجواء عشرين كوكباً بعيداً. وإن تأكدت الإشارة يوماً، فسيكون العالم أمام أول قياس مباشر لمكوّن غير مرئي يشكّل العمود الفقري لمجرّات الكون كلها.
الصورة: تجربة «إل زد» للمادة المظلمة عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 3.0
أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.
مواضيع ذات صلة
شارك هذا المقال
اقرأ أيضاً
أصغر كوكب مرصود على الإطلاق: عالم عملاق عمره أقل من مليون عام
فلكيون يؤكدون اكتشاف «إلياس 2-24 ب»، عملاق غازي بحجم المشتري ما يزال يتبع خطواته الأولى داخل قرص الغاز والغبار حول نجمه على 450 سنة ضوئية.
ذرات باردة على متن «تيانغونغ» تختبر مبدأ التكافؤ في المدار
أول اختبار كمومي في المدار لمبدأ التكافؤ الضعيف: ذرات روبيديوم باردة تسقط داخل محطة «تيانغونغ» الصينية فتؤكد ما تنبأت به نسبية أينشتاين.
«باندورا»: قمر ناسا الصغير يبدأ رصد أجواء عشرين كوكبًا بعيدًا
بعد سبعة أشهر من الإطلاق، أنهى القمر الصناعي «باندورا» تشغيله التجريبي وبدأ تحليل أجواء عشرين كوكبًا خارج المجموعة الشمسية لعام كامل.
