تخطَّ إلى المحتوى

احترار عالمي يفصل المحيط الهندي عن الهادئ بعد أربعة قرون من الارتباط

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 3 دقائق قراءة
احترار عالمي يفصل المحيط الهندي عن الهادئ بعد أربعة قرون من الارتباط

بينما يقف سكان شبه الجزيرة العربية على ضفاف المحيط الهندي وهم يتتبعون كل موسم أعاصير جديد، تكشف دراسة أميركية أن هذا المحيط الشاسع يمر بتحول عميق: فقد ظل مناخه متسقاً مع مناخ المحيط الهادئ على مدى نحو أربعة قرون، لكن الاحترار البشري المنشأ يعمل منذ الثمانينيات على فك هذا الارتباط بوتيرة وصفها الباحثون بأنها غير مسبوقة خلال الألف عام الماضية، وفق دراسة نشرتها مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» لمعهد وودز هول لعلوم المحيطات.

أربعة قرون من النبض المشترك

لأن سجلات القياس الآلي لحرارة المحيطات لا تتجاوز مئة عام، لجأ الفريق بقيادة شون وانغ إلى الذاكرة الطبيعية للمناخ: الشعاب المرجانية وحلقات الأشجار والصواعد الكلسية في الكهوف، وهي أرشيفات تحفظ بصمات حرارة الأسطح البحرية، لإعادة بناء أنماط المحيطين منذ مطلع القرن السابع عشر، مع محاكاة حاسوبية تغطي ألف عام كاملة. وأظهرت النتائج أن الحرارة في المحيطين تحركت عادة بإيقاع واحد عبر القرون، مع استثناء لافت حصل بين عامي 1810 و1850، حين كسرت سلسلة من الثورات البركانية الاستوائية الكبرى — وأشهرها ثوران «تامبورا» الإندونيسي عام 1815 — هذا التوافق مؤقتاً، بحسب البيان الصحفي للمعهد.

لكن الانكسار الحالي يختلف في المنشأ والحجم معاً. وقال وانغ، الباحث الآن في جامعة كولورادو بولدر: «غير المسبوق مقارنة بأي شيء رأيناه خلال الألف عام أو نحوها الماضية». وأكدت كارولين أومينهوفر، عالمة أولى في المعهد، أن دراستها «من أولى الدراسات التي تفحص انهيار الصلة بين المحيطين الهندي والهادئ»، مضيفة أن «الاحترار العالمي والانبعاثات البشرية تبتلع الآن التأثير الطبيعي للهادئ على المحيط الهندي»، بحسب ما نقلته تغطية «ساينس ديلي» للدراسة.

لماذا يهم هذا سكان منطقتنا؟

المحيط الهندي ليس بعيداً عن الأجندة العربية: فهو يحد اليمن وعُمان مباشرة عبر بحر العرب، ويقود أنظمة الرياح الموسمية التي تحكم أمطار الأطراف الجنوبية للجزيرة العربية وشرق أفريقيا. وهو أيضاً — وفق تقارير واسعة أوردتها «الغارديان» — أسرع أحواض المحيطات احتراراً، وما يترتب على ذلك من تحول لافت: عدد الأعاصير في بحر العرب ازداد بنسبة تقارب 52% خلال العقود الأخيرة، والأعاصير الشديدة جداً منها تضاعفت، بحسب دراسات معهد الأرصاد الهندي، فيما وثقت دراسة حديثة قفزة في سرعة تدهّد العواصف قبل وصولها إلى السواحل، بما يقلص زمن التحذير.

وقد لمس العرب ذلك على أرض الواقع: إعصار «مكوّنو» الذي اجتاح عُمان واليمن في مايو/أيار 2018 كان من أقوى الأعاصير التي ضربت السواحل العربية في العصر الحديث، والسواتل كانت تلتقط حلزونه الضخم وسط بحر العرب قبل أيام من وصوله. ووصفت ديليا أوبو، الباحثة المشاركة في الدراسة، المحيط الهندي بأنه «خزان حرارة هائل، يمكنه أن يفترق عما يفعله المحيط الهادئ» — وهي استقلالية قد تعني طقساً أصعب توقعاً لمن يعتمد على هذا الخزان.

التنبؤ أمام اختبار جديد

الأهمية العملية للدراسة تكمن في أن معظم نماذج التنبؤ الموسمي والمناخي بُنيت على افتراض استمرار الصلة التاريخية بين الحوضين: فالمحاكاة التي تربط بين ظاهرة النينيو في الهادئ وأمطار المحيط الهندي وما تثره من فيضانات أو جفاف قد تفقد دقتها إذا انفصل الحوضان. ولن يقتصر الأثر على آسيا؛ فأمطار شرق أفريقيا وموجات الجفاف التي تحدث عند تقلبات هذا المحيط ترتبط بالنظام نفسه.

في المقابل، يقدم تاريخ البراكين نافذة مفيدة: ففترات الارتباط المكسور في القرن التاسع عشر منحت العلماء تجارب طبيعية لفهم كيف يعود النظام لتماسكه بعد الاضطراب، وهو ما يساعد على تمييز أثر الاضطراب البشري الحالي عن التقلبات الطبيعية. والمجلة ذاتها تؤكد أن سجلات الملاحظة المباشرة قصيرة جداً أمام ظاهرة تمتد عبر قرون، ما يجعل الأرشيفات الطبيعية والمحاكاة الطويلة شرطاً لا بديل عنه لأي حكم واثق، كما ورد في تغطية مستقلة للدراسة.

يبقى أن الاتجاه العام لا يبشر بارتداد سريع: فما دامت الانبعاثات تتواصل، يواصل المحيط الهندي تخزين الحرارة والابتعاد عن سلوكه التاريخي، وستضطر الدول المطلة عليه — ومنها الدول العربية — إلى مراجعة افتراضات نماذجها الموسمية التي تعتمد عليها في التخطيط الزراعي والدفاع المدني، في فترة تتوالى فيها الإنذارات المناخية للمنطقة، من تسونامي المتوسط شبه المؤكد إلى أسرع أحواض المحيطات احتراراً.

الصورة: الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) — ملك عام عبر ويكيميديا كومنز.

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً