تخطَّ إلى المحتوى

بعد قرنَين من العرض.. مانشستر يودّع مومياء «أسرو» احتراماً لرغبتها

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 3 دقائق قراءة
بعد قرنَين من العرض.. مانشستر يودّع مومياء «أسرو» احتراماً لرغبتها

أنهى متحف مانشستر البريطاني، في وقت سابق من هذا الشهر، عرضاً استمر نحو قرنَين: نُقل جسد «أسرو»، المومياء المصرية الأشهر في مجموعته من الآثار المصرية القديمة وعلى مدى قرنَين، من قاعة مصر والسودان إلى المخازن، لتصبح المتحفَ بلا أي مومياء معروضة للزوار، بحسب تقرير وكالة الصحافة البريطانية المنشور على «ياهو نيوز». وقال المتحف إن القرار، الذي سبقته مشاورات مع زملاء مصريين ومن أعضاء الجالية المصرية وزوار المعرض، «تتوافق أكثر من غيرها مع ما نعرفه عن رغباتها هي»، في خطوة قد تكون مطلع الفصل الأخير من مسار جسدٍ قد يعود يوماً إلى مصر.

من طيبة إلى مانشستر: مسار جسد

كانت «أسرو» امرأة من طبقة راقية عاشت في طيبة (الأقصر اليوم) قبل نحو 2700 عام، وتوفيت في نحو عام 700 قبل الميلاد في سن الخمسين أو الستين، وكانت «كاهنة مغنية» من كاهنات معبد الإله آمون يُنشدن في طقوسه اليومية، وفق تفاصيل نشرتها «متحف جورنال» البريطانية. ويظهر من النقوش أن والدها «با كوش» كاتب مخطوطات جاء من بلاد كوش (شمال السودان اليوم)، فيما تعني اسما «أسرو» تقريباً «ذراعها عليهم». ووصل جسدها وتابوتاها إلى مانشستر في مطلع القرن التاسع عشر عبر تاجري قطن هما روبرت ووليام غارنيت، ابنا تاجر عبيد سابق، فتُبرعا بهما إلى جمعية مانشستر للتاريخ الطبيعي، حيث فُتحت لفافاتها علناً في أبريل/نيسان 1825 في مشهد ترفيهي من عصر التجميع الاستعماري، وظلت معروضة على مدى قرنَين بوصفها أقدم مقتنيات قسم المصريات وأهمها.

ولم يكن عرضها سكيناً تامّاً أبداً: فالجسد الذي فُتح لفضول الجمهور لم يعد «شيئاً» في نظر كثيرين، فقد جرى حوار داخلي متقطع منذ عقود حول أخلاقيات معرض المومياوات، وجرب المتحف عام 2008 تغطية المومياوات جزئياً لاختبار ردود فعل الزوار، فيما يقول أمين قسم مصر والسودان كامبل برايس إن الاهتمام السابق بأسرو ركز أساساً على الدراسة الطبية لجسدها لا على إنسانيتها.

«هل نستمر في عرض جسد أسرو؟»

تحول السؤال إلى واجهة القاعة عام 2025 بمناسبة مرور مئتي عام على نزع لفافاتها؛ فوضع المتحف لوحة تسأل الزوار صراحة: «هل ينبغي أن نستمر في عرض جسد أسرو؟»، مع صندوق إجابات مكتوبة وقناة إلكترونية، بحسب رابطة المتاحف البريطانية و«الغارديان». وجاءت المبادرة في سياق أوسع: تقرير لمجموعة عمل برلمانية بريطانية أوصى عام 2025 بمنع عرض رفات الأسلاف من دون موافقة، واصفاً ممارسة عرض المومياوات بأنها غير قائمة على رضا أصحابها، وفي نص اللوحة نفسها يقرّ المتحف، الحائز جائزة أفضل متحف أوروبي عام 2025، بأنه تغيّر هو أيضاً، ويعيد التفكير في كيفية رعايته للناس وللمجموعات التي تخصها.

وقالت مديرة العدالة الاجتماعية في المتحف كلوي كوزنز، وهي من أنشأ مسار «نزع الاستعمارية» الذي يرافق هذه النقاشات: «المسار جديد، لكن مفهوم نزع الاستعمارية ليس جديداً على مانشستر على الإطلاق»، بحسب «الغارديان». وأوضح المتحف في بياناته الأخيرة أن نخبة المصريين القدماء كانوا يتوقعون أن يبقى جسدهم مغلقاً في تابوته غائباً عن أعين الأحياء، وأن قرار الإزالة يعكس «كيف نفكر في مسؤوليتنا تجاه الأسلاف والمجموعات والمجتمعات التي تمثلها».

ماذا بعد الخزانة؟

لم يُحسم المصير النهائي لأسرو: يدرس المتحف خيارين، إبقاء التابوتين والجسد في المخازن مع إتاحتهما للبحث، أو إعادتهما إلى مصر التي تطالب عقوداً باستعادة تحفها الأبرز مما حملته بعثات التنقيب الأوروبية. وإن كانت العودة أمراً معقداً قانونياً ولوجستياً، فإن مجرد طرحها رسمياً من متحف من هذا الحجم يعيد فتح ملف كامل: من حجر رشيد إلى تمثال نفرتيتي، في نقاش لم يعد يُدار بأروقة المتاحف وحدها، بل بأسئلة التراث التي تراها الدول صاحبة الحضارات نفسها، ومعها جماهير من الزوار صاروا يسألون عن حق الموتى في طمأنينة. ولقطة اليوم تلتقي مع حكايات إحياء الذاكرة عبر الآثار في معنى واحد: الكرامة ليست للحيّ وحدَهم، وحتى كاهنة صامتة منذ 27 قرناً تستطيع - باسمها المحفور على تابوتها - أن تطلب من العالم أن يغلق عليها بابها.

الصورة: لوح تابوت الكاهنة المغنية الحنطاوي من طيبة، متحف متروبوليتان، عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC0

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً