تخطَّ إلى المحتوى

اكتشاف تمثال عمره 11 ألف عام لإنسان يعتلي نمرًا في كاراهان تبه

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 4 دقائق قراءة
اكتشاف تمثال عمره 11 ألف عام لإنسان يعتلي نمرًا في كاراهان تبه

أعلنت السلطات التركية العثور على تمثال حجري مركّب يبلغ عمره نحو أحد عشر ألف عام في موقع كاراهان تبه بولاية شانلي أورفة جنوب شرقي تركيا، يصوّر كائنًا بشريًا جالسًا على ظهر نمر. وكشف وزير الثقافة والسياحة محمد نوري إرصوي تفاصيل القطعة يوم الثلاثاء 25 أغسطس/آب 2026 ضمن حصاد موسم التنقيب الجاري، قبل أن تتوسّع تغطيتها في الصحافة المتخصصة خلال الأيام التالية. ويقول باحثون إن هذا التركيب البصري تحديدًا -- إنسان يعتلي حيوانًا مفترسًا -- لم يُوثَّق من قبل في فنون العصر الحجري الحديث في الشرق الأدنى.

تمثال عُثر عليه في موضعه

القيمة الأولى للاكتشاف ليست في القطعة وحدها، بل في أنها وُجدت حيث تركها أصحابها. فقد استقرّ التمثال على مصطبة حجرية ملاصقة لجدار بناء دائري صغير لا يتجاوز قطره ثلاثة أمتار، أرضيته مرصوفة بحجارة مسطّحة، وفق ما أوردته هيريتدج ديلي وأركيونيوز. وهذا وضع نادر في مواقع هذه الحقبة، إذ تصل معظم منحوتاتها مكسورة أو معادًا استخدامها في جدران لاحقة، فتفقد سياقها المعماري وتتحوّل إلى قطع متحفية معزولة عن الغرفة التي صُنعت لأجلها.

وتتفاوت المصادر في وصف أبعاد القطعة. فبينما تذكر ذي آرت نيوزبيبر وتركيا اليوم أن ارتفاعه نحو سبعين سنتيمترًا، يصف مصدر آخر الرقم نفسه بوصفه طولًا لا ارتفاعًا. ولم يصدر حتى الآن بحث أكاديمي محكّم يثبّت القياسات ونوع الحجر وظروف الطبقة الأثرية، وهو ما ينتظره المختصون قبل بناء أي تفسير نهائي.

لماذا يُعدّ الوضع استثنائيًا

النمر ليس عنصرًا طارئًا في كاراهان تبه؛ فهو المفترس الأكثر تكرارًا في منحوتات الموقع منذ بدء التنقيب المنهجي فيه. الجديد هو ترتيب العلاقة بين الجسدين. ففي قطع سابقة من الموقع، من بينها منحوتة شهيرة كُشف عنها عام 2021، يظهر الإنسان والنمر في وضع معكوس تمامًا لما ظهر الآن: الحيوان فوق الإنسان أو محمولًا عليه، لا العكس.

وترى إليزابيث كارتر، أستاذة الآثار الفخرية في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، أن التركيب الجديد بلا سابقة معروفة، وتقول: «لا أعرف حالة سابقة لإنسان يمتطي حيوانًا». وتضيف أن منحوتات الحيوانات على المصاطب داخل المباني معروفة في غوبكلي تبه المجاور، لكن الجمع بين الجسدين على هذا النحو ليس كذلك. ويذهب إرغون لفلي، الباحث في جامعة دوكوز أيلول، إلى تقدير أوسع، إذ يعدّ القطعة من أقدم الشواهد المادية على الدين والطقوس في الشرق الأدنى القديم بأسره -- وهو حكم كبير سيحتاج بدوره إلى إسناد أوسع من التنقيب المقبل.

أما البروفيسور نجمي كارول، الذي يقود أعمال التنقيب في تلال المنطقة، فيلفت إلى أن ثلاث منحوتات من هذا الطراز المركّب عُثر عليها في الموقع، وأن النمور فيها تظهر متيقّظة وعدوانية لا بوصفها فريسة أو غنيمة صيد. وهذه ملاحظة لها وزنها: فهي تنقل الحيوان من خانة الغذاء إلى خانة الرمز، وتشير إلى منظومة معنى لدى مجتمعات لم تكن قد عرفت الزراعة المستقرة ولا الفخار بعد.

موقع يعيد ترتيب سردية البدايات

يقع كاراهان تبه على نحو ثلاثين كيلومترًا من غوبكلي تبه، وكلاهما جزء من مجموعة مواقع تُعرف باسم «تاش تبه لر»، أي التلال الحجرية، الممتدة في محيط شانلي أورفة. وبدأ التنقيب المنهجي في كاراهان تبه عام 2019، وكشف عن موقع تبلغ مساحته نحو أربعة عشر هكتارًا يضمّ أكثر من مئتين وخمسين عمودًا حجريًا على شكل حرف T، وفق ما ذكرته أركيونيوز.

وقد جاء الاكتشاف ضمن مشروع «الإرث إلى المستقبل» الذي تديره وزارة الثقافة والسياحة التركية. وكان غوبكلي تبه قد أُدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2018، بوصفه شاهدًا على عمارة ضخمة سبقت الزراعة، وهي الفكرة التي قلبت افتراضًا قديمًا مفاده أن المعابد تأتي بعد الاستقرار الزراعي لا قبله.

وأهمية هذه التلال لقارئ عربي ليست بعيدة: فهي تقع في الحوض الشمالي لبلاد ما بين النهرين، على تخوم شمال سوريا، وتنتمي إلى المجال الحضاري نفسه الذي تنتمي إليه مواقع الجزيرة والفرات. أي أن ما يُكتشف في شانلي أورفة يخصّ مباشرة تاريخ المنطقة العربية المبكّر، لا تاريخ الأناضول وحده.

ما ينتظر التحقق

يبقى معنى المشهد مفتوحًا. فالقول إن التمثال يمثّل «سيطرة» الإنسان على الطبيعة قراءة حديثة قد تسقط مفاهيمنا على مجتمع لا نعرف لغته ولا أساطيره. وقد اكتفت مجلة أركيولوجي وديسكفر بتسجيل غرابة التركيب دون الجزم بتفسيره، وهو الموقف الأقرب إلى المعطيات المتاحة اليوم.

هناك أيضًا ملاحظة منهجية تتكرر في مثل هذه الأخبار: الإعلان الوزاري يسبق النشر العلمي المحكّم بأشهر وأحيانًا بسنوات، فتُتداول التفاصيل في الصحافة قبل أن تخضع للمراجعة. وهذا لا ينفي الاكتشاف، لكنه يوجب حذرًا في التعامل مع الأرقام والتأويلات الأولى.

وتتقاطع القصة مع نقاش أوسع تشهده المنطقة حول من يملك رواية ماضيها وكيف تُعرض قطعه، وهو نقاش برز أخيرًا في عودة قطع أثرية سورية من باريس إلى قلعة دمشق. وفي الحالتين، السؤال واحد: ما الذي يجعل قطعة حجرية وثيقة تاريخية، وما الذي يجعلها مجرد تحفة؟

الصورة: موقع غوبكلي تبه في ولاية شانلي أورفة، على نحو ثلاثين كيلومترًا من كاراهان تبه -- تصوير إيفي كيكيكجيلر عبر أنسبلاش.

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً