تخطَّ إلى المحتوى

بحر متجمد يتراجع: الحد الأدنى لجليد القطب الشمالي عام 2026

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 3 دقائق قراءة
بحر متجمد يتراجع: الحد الأدنى لجليد القطب الشمالي عام 2026

أعلنت وكالة ناسا والمركز الوطني الأمريكي للثلوج والجليد (NSIDC) أن مساحة الجليد البحري في المحيط المتجمد الشمالي بلغت حدها الأدنى لهذا العام في 12 سبتمبر/أيلول عند نحو 4.6 مليون كيلومتر مربع، وهو العاشر أدنى مستوى في سجل قياسي يمتد نحو نصف قرن، وفق تحليل المركز الذي أكدته ناسا ومركز الجليد الوطني الأمريكي بالقياسات نفسها. ورغم أن الرقم لم يكسر الحد الأدنى القياسي المسجل عام 2012، فإن قراءته السليمة تقلق أكثر مما تطمئن: فكل صيف خلال العشرين عاماً الماضية يحتل موقعاً بين العشرين الأدنى في التاريخ المرصود كله.

عام غريب في أعالي الأرض

قال مارك سيريزي، مدير المركز الوطني للثلوج والجليد، إن هذا الموسم كان «غريباً»: فالمحيط المتجمد مرّ بصيف بارد نسبياً، ومع ذلك ظل القبس الجليدي مفككاً حتى قرب قطب الشمال ذاته، بعبارة البحث نفسها: «جليد فضفاض يمتد إلى القطب». وشرح عالم الأبحاث والذي ماير أن الحد الأدنى الجديد هو «أحد الأدنى المتكررة في قطب متغير»، أقل بوضوح من مستويات الثمانينيات وأوائل الألفينات، فيما رصد زميله تيد سكامبوس تخلفاً مماثلاً في الجانب المقابل من الكوكب: نمو جليد البحر في القطب الجنوبي ظل متأخراً عن متوسطه طويل الأمد طوال الموسم، وبلغ حده الأعظم عند 17.59 مليون كيلومتر مربع في 14 سبتمبر/أيلول، وهو ما قد يكون ثالث أدنى ذروة مسجلة إذا ما تأكد الرقم.

نصف قرن من التراجع

منذ أن بدأت ناسا الرصد المنتظم بقمري «نيمبوس-7» عام 1978، تحول القياس المداري إلى واحد من أدق مؤشرات صحة المناخ القطبي. ويُظهر السجل تراجعاً في الطرفين الموسميين معاً: الحد الأدنى الصيفي والحد الأعظمي الشتوي، مع تسارع الفقدان منذ مطلع الألفية. ويؤكد ملخص ناسا تحولاً بنيوياً أعمق: الجليد متعدد السنوات السميك الذي يصمد لسنوات يفسح مكانه تدريجياً لجليد رقيق من «السنة الأولى» أسهل ذوباناً، فيما يشير السجل إلى تباطؤ محتمل في وتيرة الفقدان الصيفي خلال العقد الأخير، يعزوه العلماء جزئياً إلى زيادة الغطاء السحابي الذي يحجب أشعة الشمس عن سطح الجليد — وهو ما قد يفسّر جزءاً من غرابة هذا الموسم، مع بقاء الاتجاه طويل الأمد سالباً بلا التباس.

وقد أشارت ناسا إلى أن بعض النماذج المناخية ترجح إمكانية أن يمر المحيط المتجمد بصيف خالٍ من الجليد كلياً مرة واحدة على الأقل قبل عام 2050، وهو تحول عميق في نظام حافظ على غطاء موسمي متجدد منذ آلاف السنين.

ولغير المتخصصين، يفيد توضيح آلية القياس: إذ ينكمش الجليد البحري مع ارتفاع حرارة الصيف من مارس/آذار إلى سبتمبر/أيلول ثم يعيد التجمّد مع الشتاء، ويُحتسب «الحد الأدنى» من متوسط مساحة الغطاء خلال خمسة أيام متتالية لتفادي التقلبات اليومية العارضة، ما يعني أن الرقم المعلن يظل أولياً وقد ينقسم قليلاً إذا استمر الذوبان بعد الإعلان، كما حدث في مواسم سابقة. وقد أكد مركز الجليد الوطني الأمريكي الاستنتاج نفسه بشكل مستقل عن المركز الوطني للثلوج بالقياسات نفسها، وهو تعبير عن أن دقة هذه الإحصاءات مراجعة مؤسسية مزدوجة لا رقم منفرد.

ماذا يعني هذا التراجع للمنطقة العربية؟

قد يبدو القطب البعيد ترفاً لقارئ في الخليج أو شمال أفريقيا، لكن الجليد البحري محرك لمناخ المنطقة بعلاقة مباشرة: فكلما فقد الجليد قدرته على عكس أشعة الشمس، تحول المحيط الداكن تحته إلى مصدر حراري هائل يضخ الدفء في أنماط الطقس في خطوط العرض الوسطى والعليا، وتمتد آثار ذلك عبر تيارات الغلاف الجوي إلى الرياح الموسمية التي تسقي الأطراف الجنوبية لجزيرة العرب. والمنطقة نفسها من أسرع مناطق الكوكب احتراراً: فقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن درجات الحرارة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ترتفع بضعف المعدل العالمي، فيما وجدت دراسة حديثة في دورية الجيوفيزياء الأمريكية أن بعض أجزاء المنطقة تسخن بثلاثة أضعاف ذلك المعدل.

وهنا يلتقي سجل الجليد البعيد بقصص رصدنا السابقة: فالمحيط الذي رصدنا احتراره المتسارع وفصلاً بين حوضين محيطيين، والقطب الذي يذوب أعلاه، وجهان لظاهرة واحدة تُقاس بأدوات الرصد الفضائي نفسها التي رصدت تسارع الجليد قبل كارثة نيبال. والدرس العملي واحد: هذه السجلات ليست فضولاً علمياً، بل خريطة مخاطر تبني عليها الدول سدودها ومزارعها ومدنها الساحلية، ومواسم الجليد القياسية المتتالية هي إنذارها الأعلى صوتاً حتى الآن.

الصورة: ناسا / استوديو التصور العلمي — ملك عام عبر ويكيميديا كومنز.

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً