تخطَّ إلى المحتوى

تسونامي المتوسط شبه مؤكد خلال 30 عاماً: أين تقف سواحلنا؟

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 3 دقائق قراءة
تسونامي المتوسط شبه مؤكد خلال 30 عاماً: أين تقف سواحلنا؟

مع توالي برامج الجاهزية الأوروبية على ضفاف البحر المتوسط، عاد هذا الأسبوع إلى الواجهة تحذير قديم لكنه غير مطمئن: احتمال وقوع تسونامي بارتفاع متر واحد أو أكثر في المتوسط خلال الثلاثين عاماً المقبلة «قريب من 100%»، بحسب ما أعلنته منظمة اليونسكو في 22 يونيو/حزيران 2022 ولم تسحبه منذ. واختارت المنظمة ثلاث مدن ساحلية للبدء معها بمشروع تحصين شامل، بينها مدينة الإسكندرية المصرية إلى جانب مرسيليا وإسطنبول، في إشارة صريحة إلى أن السواحل العربية ليست خارج دائرة الخطر، بل في صميمها.

تحذير رياضي لخطر تاريخي

الرقم الذي تداولته اليونسكو لا يعني أن موجة عاتية تقترب، بل هو تقدير احتمالي تراكمي: ففي حوض بحري تتعاظم فيه إجهادات الصفائح التكتونية منذ آلاف السنين، يصبح وقوع حدث تسونامي صغير أو متوسط على الأقل في أي مكان من الحوض شبه مؤكد على مدى جيل كامل، وفق المنظمة نفسها. والمتوسط ليس غريباً عن هذه الكوارث؛ فهو يملك أكبر سجل موثق للتسوناميات خارج المحيط الهادئ على الإطلاق.

في عام 365 ميلادية، رفع زلزال عنيف قرب جزيرة كريت موجة اجتاحت الإسكندرية وسواحل الشام وغرق بها آلاف، في واحدة من أسوأ كوارث البحر المتوسط الموثقة. وفي العصر الحديث، وثّق السجل أمواجاً بنحو مترين بعد زلزال بحر ليغوري عام 1887، وانزلاقاً في ميناء نيس عام 1979 قتل ثمانية أشخاص وبلغت فيه المياه 3.5 أمتار داخل اليابسة، ثم زلزال بومرداس الجزائري عام 2003 الذي وصلت آثاره البحرية إلى ثمانية موانئ للقوارب عبر الحوض في نحو 75 دقيقة. أما عالمياً، فقد قتل التسوناميات أكثر من 250 ألف شخص منذ عام 1970، غالبية ساحقة منهم في كارثة المحيط الهندي عام 2004.

من أين يأتي الخطر، وكم من الوقت يملكه الساحل؟

تحيط بالحوض مصادر متعددة: حدود الصفيحة الأفريقية والأوراسية قبالة شمال أفريقيا، والقوس الهيليني غرب اليونان، وأعطال بحر ليغوري شمالاً، إضافة إلى انزلاقات أرضية تحت البحر قد تطلق أمواجاً بلا إنذار سابق يذكر. وحسب موقع المصدر، قد تصل الموجة إلى سواحل قريبة خلال أقل من عشر دقائق، فيما تحتاج مراكز الإنذار نفسها إلى نحو ربع ساعة لتعميم التحذير أحياناً، كما في المثال الفرنسي الذي رصدته تغطية ساينس ديلي حول جاهزية نيس: فجوة زمنية لا تكاد تترك ملاذاً.

هذا لا يعني العجز. فالمصادر البعيدة تمنح سواحل الجهة المقابلة زمناً قد يمتد إلى ساعة ونصف أو أكثر، وهو وقت كافٍ للإخلاء إن كانت الأنظمة جاهزة. والدرس المستخلص من تسونامي اليابان عام 2011 وفق مراجعة لوكالة «جي إن إس» النيوزيلندية أن 96% ممن كانوا في مناطق الغمر نجوا، بفضل التربية الوقائية والإخلاء السريع، لا بفضل جغرافيا مميزة.

الإسكندرية مختبر للجاهزية العربية

جاء اختيار اليونسكو للإسكندرية ضمن وعد بتهيئة كل المجتمعات الساحلية المهددة عالمياً بحلول 2030، عبر برنامج «مجتمع جاهز للتسونامي» الذي يشترط اثني عشر مؤشراً تغطي تقييم المخاطر، والتثقيف العام، وطرق الإخلاء، وتمارين دورية تُجدد اعتمادها كل أربع سنوات. والقائمة الأوروبية تنمو ببطء: كانت مدينة «كاني» الفرنسية أولى مدن البر الرئيسي المعترف بها في يناير/كانون الثاني 2024، تلتها نيس في يونيو/حزيران 2026، فيما تظل المدن المعترف بها في المتوسط قليلة أمام حجم الساكنة الساحلية.

ماذا يعني هذا عملياً لمدينة مثل الإسكندرية أو طرابلس أو تونس أو بيروت؟ خطط إخلاء مصممة على قياس أحياء شتى، لا على قياس المحافظة؛ لافتات وتوجيهات يقف عندها الزائر وليس الساكن وحده؛ وتمارين سنوية في المدارس القريبة من الشاطئ؛ وربط مراكز الإنذار الإقليمية بأنظمة إنذار محلية تصل إلى الهواتف، وهو ما تشير إليه تجارب المدن الثلاث التجريبية بأنه العنصر الأصعب والأهم معاً. والمنطق نفسه الذي أثبت نجاح رصد الأقمار الصناعية لعلامات الخطر قبل كارثة نيبال ينطبق هنا: القيمة الحقيقية للعلوم لا تتحقق إلا حين تصل إلى الأشخاص قبل وصول الخطر.

لا أحد يعرف متى سيأتي التسونامي المتوسطي القادم، ولا من أين. لكن اليونسكو تقول بثقة إنه آتٍ، وأن الفارق بين كارثة وحصيلة محدودة يصنعه عقد من العمل الوقائي بدأه بعض المدن، ولم يبدأه بعد ساحل عربي كامل بوصفه مجتمعاً معترفاً به. البحر لن ينتظر الإدارة.

الصورة: فياتشيسلاف أرغنبيرغ عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY 4.0.

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً