تخطَّ إلى المحتوى

تقرير أوروبي: سرقات المتاحف تزداد عنفًا وتستهدف الذهب والجواهر

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 4 دقائق قراءة
تقرير أوروبي: سرقات المتاحف تزداد عنفًا وتستهدف الذهب والجواهر

حذّرت وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول) من تحوّل عميق في طبيعة سرقات المتاحف داخل أوروبا، من جرائم تقوم على الخداع والتسلل إلى عمليات اقتحام عنيفة تُستخدم فيها المطارق الثقيلة والفؤوس وحتى المتفجرات. وجاء التحذير في تقرير نشرته الوكالة يوم 24 أغسطس/آب 2026 من مقرها في لاهاي، بعنوان «تكتيكات متغيّرة وأهداف متغيّرة: الطبيعة المتطوّرة لسرقات المتاحف». ويخلص التقرير إلى أن المعادن الثمينة والأحجار الكريمة صارت الهدف الأول، وأن منفّذي هذه العمليات لم يعودوا بالضرورة أعضاء في عصابات محترفة، بل يُجنَّدون عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

من الحيلة إلى المطرقة

الصورة النمطية لسارق المتاحف — خبير هادئ يعرف قيمة اللوحة التي يسرقها — لم تعد تصف ما يحدث فعليًا. فبحسب البيان الصادر عن يوروبول، صار «الجناة يقتحمون المباني وخزائن العرض باستخدام أدوات مثل المطارق الثقيلة والفؤوس وعتلات الرفع والمتفجرات». وتُصنَّف سرقات المتاحف تقليديًا ضمن جرائم الملكية غير العنيفة، لكن الوثيقة التحليلية للوكالة تسجّل انتقالًا إلى أساليب مباشرة ومواجِهة، تشمل ترهيب الحرّاس والزوّار.

المثال الأبرز الذي يستشهد به التقرير هو السطو على متحف اللوفر في باريس في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حين اقتحم منفّذون قاعة عرض جواهر التاج الفرنسي في وضح النهار وفرّوا بمقتنيات قُدّرت قيمتها بنحو 88 مليون يورو، بينها تاج الإمبراطورة أوجيني. وقد أوقفت السلطات الفرنسية عددًا من المشتبه بهم في الأسابيع التالية، لكن الجواهر لم تُستعد. ويشير التقرير أيضًا إلى سرقة وقعت في يناير/كانون الثاني 2025 في هولندا، استُخدمت فيها المتفجرات للاستيلاء على خوذة ذهبية داكية عمرها نحو 2500 عام وثلاثة أساور أثرية معارة من رومانيا؛ وقد استُعيد معظم القطع وأُعيدت إلى بوخارست، فيما لا يزال أحد الأساور مفقودًا.

لماذا الذهب تحديدًا؟

الإجابة اقتصادية أكثر منها فنية. فقد ارتفعت أسعار الذهب بنحو 85 بالمئة خلال عامين، مدفوعةً بطلب المستثمرين والبنوك المركزية، وهو رقم تؤكده تغطية وكالة رويترز للتقرير كما تؤكده تقارير أوروبية أخرى. وتقول رابطة سوق السبائك في لندن إنه «مع ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، تتزايد كذلك التدفقات غير المشروعة وتشوّهات السوق».

هنا يكمن جوهر المشكلة بالنسبة للتراث: القطعة الأثرية المصنوعة من الذهب قابلة للتحوّل إلى سبيكة مجهولة الهوية خلال ساعات. فالمعدن يُصهر فيختفي أثره تمامًا أمام أجهزة إنفاذ القانون، والأحجار الكريمة تُنتزع من أطقمها وتُباع منفردة. أي أن الجريمة لا تحتاج إلى سوق سوداء متخصصة في الآثار ولا إلى وسيط يعرف قيمة القطعة تاريخيًا؛ يكفي صائغ. وترصد الوكالة إلى جانب ذلك تصاعد استهداف الخزف الصيني القديم، بفعل الطلب المرتفع من جامعي المقتنيات.

«الجريمة كخدمة»: منفّذون بلا عصابة

التحوّل الثالث الذي يوثّقه التقرير تنظيمي. فبدلًا من الشبكات الهرمية المتخصصة التي كانت تخطط لسنوات، برزت مجموعات لامركزية تُشكَّل لمهمة واحدة ثم تتفكك. ويجري تجنيد المنفّذين عبر منصات التواصل الاجتماعي على أساس ما تسميه يوروبول «الجريمة كخدمة» (Crime-as-a-Service)، أي شراء المهارة المطلوبة — سائق، قاطع معادن، مراقب — لعملية بعينها.

لهذا النموذج أثر مزدوج. فهو يجعل التنبؤ بالعمليات أصعب على الأجهزة الأمنية، إذ لا توجد جماعة ثابتة يمكن مراقبتها. لكنه في المقابل يضع أدوات ثقيلة في أيدي أشخاص غير مدرَّبين على التعامل مع مواد هشة، ما يرفع احتمال تدمير القطع أثناء التنفيذ — وهو ما حدث فعلًا في باريس حين تضرّر تاج الإمبراطورة أوجيني أثناء الفرار.

قراءة عربية: الدرس المصري

ما يصفه التقرير بوصفه اتجاهًا أوروبيًا له سابقة عربية قريبة وموجعة. ففي سبتمبر/أيلول 2025، اختفى سوار ذهبي يعود إلى الملك أمنمؤوبي، عمره نحو ثلاثة آلاف عام، من خزنة في معمل ترميم بالمتحف المصري بالتحرير. وأعلنت وزارة الداخلية المصرية لاحقًا أن السوار «سُرق وجرى صهره»، بعد أن باعه أحد أخصائيي الترميم بسلسلة وسطاء انتهت عند ورشة صهر. وقد بيعت القطعة بنحو 194 ألف جنيه مصري — أي ما يقارب أربعة آلاف دولار حينها — وهو ثمن لا يكاد يُذكر مقابل قيمة تاريخية لا تُعوَّض، وقد أثار الحادث موجة غضب واسعة في مصر.

الحالة المصرية تؤكد منطق يوروبول من زاوية مختلفة: حين يصبح سعر المعدن هو المحرّك، تسقط الحماية التي كانت توفّرها ندرة القطعة وشهرتها. القطعة الشهيرة كانت تاريخيًا صعبة البيع، وهذه الصعوبة كانت في ذاتها شكلًا من أشكال التأمين. أما المصهر فلا يميّز بين ذهب فرعوني وذهب حديث.

ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية في منطقة تخوض معركة طويلة لاستعادة مقتنياتها، على غرار ما جرى مؤخرًا حين عادت 23 قطعة أثرية سورية من باريس لتُعرض في قلعة دمشق. فاستعادة الآثار وحمايتها وجهان لملف واحد: لا معنى لإعادة قطعة إلى بلدها إن لم تكن البيئة التي تستقبلها قادرة على صونها.

ما الذي يتغيّر بعد التقرير؟

لا يحمل التقرير طابعًا إلزاميًا، فهو وثيقة تحليلية موجّهة إلى أجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات الثقافية. لكن دلالته أنه ينقل سرقة المتاحف من خانة «جريمة الملكية الأنيقة» إلى خانة الجريمة المنظمة العنيفة، بما يترتب على ذلك من أولويات في التحقيق والتعاون عبر الحدود.

عمليًا، يعني ذلك أن معايير التأمين المتحفي المصممة لمواجهة التسلل الليلي — أجهزة إنذار، كاميرات، حرّاس — لم تعد كافية أمام اقتحام يستغرق دقائق معدودة في وضح النهار. كما يعني أن حلقة الضعف قد لا تكون في قاعة العرض أصلًا، بل في المخازن ومعامل الترميم، حيث تمرّ القطع بعيدًا عن أعين الجمهور، وحيث وقعت الحادثة المصرية.

الخلاصة التي يصعب تفاديها أن حماية التراث لم تعد ملفًا ثقافيًا خالصًا. صارت مسألة أمنية واقتصادية في آن، مرتبطة بأسواق المعادن وبمنصات التواصل بقدر ارتباطها بميزانيات المتاحف.

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً