طهران ضيفُ الأمم المتحدة.. وعباس يخاطبها عبر الشاشة

في مفارقة لافتة تسبق أسبوعاً دبلوماسياً حاسماً في نيويورك، منحت واشنطن التأشيرات للوفد الإيراني كاملاً — وبمن فيهم الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقي في زمن حرب قائمة بين البلدين — بينما جددت حرمان الرئيس الفلسطيني محمود عباس وعشرات مسؤولي السلطة منها للعام الثاني على التوالي، ليخاطب الجمعية العامة مرة أخرى عبر شاشة من بعيد.
قراران متناقضان قبل أسبوع حاسم
أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن «وفقاً لالتزاماتنا الدولية، سيتمكن الوفد الإيراني الرئيسي من المشاركة في أعمال الجمعية العامة»، بحسب ما نقل موقع وسط الشرق، مع قيود معروفة: تقييد التنقل خارج مناطق محددة، ومنع شراء كماليات معينة، ووفد أصغر حجماً من عام 2025. والدولة المضيفة ملزمة بموجب اتفاقية مقر الأمم المتحدة بتيسير دخول ممثلي الدول الأعضاء، وهو الالتزام الذي استُحضر هذا العام للوفد الإيراني رغم أن البلدين يخوضان حرباً دامت أشهراً ومفاوضات متوقفة. واللافت أن هذه التأشيرات وصلت في وقت أعلنت فيه طهران خططاً لحظر بحري في الخليج، ما يجعل حضور بزشكيان فرصة نادرة للتواصل المباشر إن قررت الإدارة الأميركية استثمارها.
أما الوفد الفلسطيني فالمعاملة مختلفة: في السابع عشر من سبتمبر، أبلغت واشنطن الرئيس عباس وعشرات المسؤولين برفض تأشيراتهم مجدداً، بحسب ما نقلت يورونيوز، مبررةً القرار بأن المسؤولين الفلسطينيين «أخفقوا في الوفاء بالتزاماتهم» تجاه السلام، وإعلانها تمديد «العقوبات التي تحرم أعضاء منظمة التحرير ومسؤولي السلطة من التأشيرات». ولم يكن القرار مفاجأة كاملة: ففي العام الماضي اتُّفق على آلية مماثلة تسمح بالمخاطبة عن بُعد، والجمعية الحالية متوقعة أن تصوّت على تجديدها.
التبريرات الرسمية والردود الفلسطينية
ردت وزارة الخارجية الفلسطينية بوصف القرار بأنه «مقياس غير مبرر يعاكس جهود إعادة بناء الثقة» ويهدم شروط الحل الدولي، بحسب البيان الذي نقلته يورونيوز. وسيخاطب عباس الجلسة عبر الفيديو للمرة الثانية، في آلية صادقت عليها الجمعية العام الماضي، فيما يبقى الوفد الفلسطيني المعتمد لدى الأمم المتحدة ممثلاً للبلد في نيويورك بعدما منحت واشنطن إعفاءً يسمح باستمرار عمل البعثة. ومع ذلك، يسلّم الجانبان ضمناً بأن الإقصاء رمزي أكثر منه تنفيذياً، لكن الرمز في السياسة الدولية — ولا سيما في أسبوع الاعترافات — ليس أقل أهمية من الإجراء نفسه. وفي العام الماضي، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدو سانشيش القرار المماثل بأنه «ظالم»، مؤكداً أن فلسطين «لها الحق في أن يُسمع صوتها في الأمم المتحدة».
وقد وصل التوتر إلى ذروته في وقت حساس تحديداً: فرنسا وبريطانيا وأستراليا وبلجيكا والبرتغال ومالطا وكندا اعترفت بفلسطين في 2025، وتنتظر الجمعية الحالية تصويتات اعتراف جديدة، ما يجعل إقصاء الوفد الفلسطيني — في عام الاعترافات — أضعافاً في رمزيته، كما لفتت الغارديان إلى أن الإدارة الأميركية جددت القرار رغم هذه الخلفية المتغيرة.
ماذا تقول المعاملة المزدوجة عن النظام الدولي؟
المفارقة الحاسمة هنا في تطبيق الالتزام الدولي ذاته: واجب الدولة المضيفة في فتح الأبواب استُحضر لطهران التي تخوض حرباً مع واشنطن، وصودر عن قيادة فلسطين التي تتعامل مع واشنطن سياسياً منذ عقود. وهذا التفاوت ليس تفصيلاً إجرائياً، بل مؤشر على أن بروتوكول المقر الأميركي صار أداة سياسية تُفعَّل وتُجمَّد بحسب الحساب الأمريكي لكل ملف.
وتأتي المواجهة في أسبوع تتصاعد فيه موجة الاعتراف الدولي بفلسطين، بعد أن خطت بريطانيا الأسبوع الماضي خطوة غير مسبوقة بحظر تجارة مستوطنات الضفة الغربية، فيما تستعد الجمعية لصوتيات اعتراف جديدة. وسيحضر بزشكيان القاعة وقد تحدث قبل أشهر عن رفض بلاده لأي مواجهة، وسيحضر الفلسطينيون شاشةً وكرسيين فارغين، وسيبقى السؤال معلقاً فوق القاعة: إذا كانت الالتزامات الدولية قوية بما يكفي لإدخال حكومة متحاربة إلى قاعة الأمم، فلماذا لا تكون كافية لإدخال شعبٍ يهمّه مصير هذا النظام الدولي أصلاً؟ وبين حضور إيران المتحاربة مع واشنطن وغياب قيادة السلطة الشريكة لها سياسياً، تقدم الجمعية العامة اختباراً نادراً لفكرة أن القواعد يجب أن تنطبق على الجميع، في اللحظة التي تحتاج فيها فكرة النظام الدولي إلى كل ما يثبت جدواها. وأي تصويت أممي على آلية مخاطبة عباس عن بُعد سيكون، في هذا المعنى، أكثر من إجراء شكلي: إنه رأي العالم في سؤال من يحق له أن يقف خلف المنبر أولاً.
أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية. الصورة: باسل د سوففي عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 3.0.
مواضيع ذات صلة
شارك هذا المقال
اقرأ أيضاً
ساعات تفصل طهران عن الرد الأميركي.. وتهديد لكل سفينة في هرمز
طهران تنتظر رداً أميركياً «خلال ساعات» على خطة فتح هرمز، والحرس الثوري يهدد كل سفينة تحاول العبور، وترامب ينفي التنازلات بينما يؤجل نهاية الحرب إلى ما بعد الانتخابات
قناة تفاوض صامتة تحت ضجيج الحرب: عراقي يلتقي الوسطاء في نيويورك
بعيداً عن خطابات الحرب، التقى عراقي الوسطاء في نيويورك، ووصفت واشنطن المحادثات بأنها «إيجابية وبنّاءة» وتراهن على صفقة هذا الأسبوع — وهرمز مفتوح على الاحتمالين
هرمز المغلق: كيف وصل أكبر ممرات الطاقة في العالم إلى الحصار؟
من إغلاق فبراير إلى الحصار الأميركي ورفض خطة الأيام السبعة، جولة في مراحل أزمة مضيق هرمز الذي كان يمر عبره خُمس طاقة العالم — وما الذي يمكن أن يعيد فتحه