«عين الموصل»: المؤرخ الذي وثّق داعش من الداخل وأنقذ مئات

أعاد تقرير نشرته صحيفة «ذا ناشونال» الخميس 4 سبتمبر/أيلول، وأُحدّث أمس الجمعة، الأضواء إلى واحدة من أغرب قصص التوثيق في التاريخ العراقي الحديث: المؤرخ الموصلي عمر محمد الذي حوّل مدونة سرية باسم «عين الموصل» إلى سجل شبه اليومي لحياة المدينة تحت احتلال تنظيم «داعش»، قبل أن يشارك، من منفاه، في إنقاذ مئات المحاصرين. وتأتي اللقطة الجديدة مع كتاب صدر صيف هذا العام عن دار «سايهورس» الأميركية بعنوان «Mosul Eye: حرب باحث سرية ضد داعش»، وهو يحمل رسالة من البابا الراحل فرنسيس ومقدمة من الجنرال ديفيد بترايوس، بحسب التقرير المنشور في «ذا ناشونال» وصفحة الدار الناشرة.
مدوّنة من غرفة مخفية
كان محمد مؤرخاً شاباً ينتظر حياة بين الأرشيفات وقاعات الدرس حين اقتحم «داعش» الموصل في يونيو/حزيران 2014، فبدأ من غرفة مخفية توثيقاً خفياً لما يجري: الحاجزات والإعدامات وتدمير المعالم وإدارة التنظيم للحياة اليومية، كما تعرض القصة بالتفصيل. وحظيت المدونة، التي حرص على تحرير ملاحظاته بخط اليد بعد كل يوم، بثقة واسعة بوصفها أحد أندر المصادر الدقيقة من داخل المدينة المحاصرة، ويذكر أنها وصلت إلى حكومات وجهات استخباراتية؛ وقد وثّقت إذاعة «دويتشه فيله» العربية المشروع منذ سنواته الأولى بوصفه منبراً نادراً كُتب من داخل المدينة منذ سقوطها، فيما تحتفظ موسوعة ويكيبيديا العربية بسيرة المؤرخ الذي بقي اسمه سراً في السنوات الأولى خشية أهله ورفاقه.
وفي حوار لاحق أجراه مع الإذاعي مايكل غولدفارب، تذكّر المدينة التي أُغلقت أبوابها على المحتجزين فيها، وكيف كان كل سطر يكتبه في ضوء مولّدة الكهرباء، وطنين الطائرات المسيّرة فوق السطح، خطراً محتملاً على حياته وبرأس أهله.
إحداثيات تنقذ مئات
بعد فراره عام 2016 عبر تركيا إلى باريس، تحوّل محمد من شاهد داخل الحصار إلى عين فوق المدينة: تتبّع المعارك عبر صور الأقمار الاصطناعية، وحاور مدنيين محاصرين هاتفاً، ونشر على حسابه إحداثيات مواقعهم، ثم قرر - بعد سنوات من رفض طلبات مشاركة المعلومات - تمرير معلومات إنقاذ إلى القيادة المركزية الأميركية وقوات الأمن العراقية، مستثمراً معرفته بزقاق المدينة القديمة وشوارعها الجانبية لتوجيه فرق الإنقاذ العراقية إلى العائلات العالقة، وفق تقرير «ذا ناشونال» الذي يقدّر أن مئات المدنيين خرجوا أحياء بفضل هذا العمل الصامت الذي لم يعرف ضحاياه الحقيقة إلا بعد سنوات.
ومن أبرز ما يرويه الكتاب قصة عالم آثار يحمل اسم «نديم» الاسم المستعار، صديق حميم كان محمد يحضر لقاءاته السرية الأسبوعية عن آثار المدينة وتراثها، فحين حوصر هو وأسرته وجيرانه في مبنى خلال معركة تحرير المدينة رتّب لهم خروجاً ممنوناً، دون أن يكشف له هوية صديقه الذي كان ينقذه.
مدينة تستعيد حقها في السؤال
خلف هذه البطولة يقف الكتاب بوصفه مشروع ذاكرة لمدينة تحاول أن تفهم ما جرى لها؛ يشرح محمد كيف اجتاح التنظيم المدينة في أول الأمر بوجه بيروقراطي أكثر منه صرخات، إذ تسلل كثير من عناصره إلى أجهزة الشرطة والمؤسسات، وكيف دفع أهل المدينة ثمن ذلك من انقساماتهم وأحزانهم: شقيقه الأكبر أحمد، صاحب محل ستائر وأب لأربعة، قتله قذيفة مع دخول القوات العراقية المدينة. ويلاحظ في توثيق محمد أن التنظيم بدأ حكمه بـ«ديوان للشكاوى»، وأن مسيحيي المدينة رفضوا دفع الجزية وواجهوا الطرد، في إشارة إلى أن التعسف جاء مؤسساته جاهزة من سجلات سابقة. وقد قارنت المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي، في إشادة تنشرها الدار مع الكتاب، بين صاحب «عين الموصل» ومؤرخي وارسو السريين الذين وثّقوا من داخل الغيتو.
يقول محمد في الحوار: «لم تستطع الموصل يوماً أن تطرح أسئلتها عن ماضيها ومستقبلها»، معبّراً عن أمله في أن تتغلب المدينة على خوفها من السؤال. وتلك ليست مقولة منفصلة عن الحاضر: فمسجد النوري ومنارته الحدباء وكنيسة طاهرة أعيد ترميمها بمساعدة إماراتية، والشباب يقودون حراكاً ثقافياً في المدينة، بحسب التقرير نفسه. وتندرج هذه الحكاية ضمن موجة اهتمام متجددة بذاكرة التراث في المنطقة، من استعادة الآثار إلى حفريات تعيد كتابة فصول ما قبل التاريخ، إذ يظل التوثيق - بحسب تجربة «عين الموصل» - أولى أدوات المقاومة حين تُحاصر المدينة.
الصورة: الدبوني عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 4.0
أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.
مواضيع ذات صلة
شارك هذا المقال
اقرأ أيضاً
متحف الموصل يقترب من الافتتاح الكامل بتسليم فرنسي أواخر 2026
أنجزت فرنسا مع متحف اللوفر تأهيل جناحَي آشور وبابل في متحف الموصل، واستُعيد نحو 30 ألف قطعة أثرية، والافتتاح الكامل متوقع في عام 2027.
مهرجان الموسيقى العربية يفتتح دورته 34 بإهداء لهاني شاكر
انطلقت الدورة 34 لمهرجان الموسيقى العربية على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية بإهداء للراحل هاني شاكر وتمثال يخلده في ساحتها، بمشاركة 91 فنانًا حتى 30 أكتوبر.
بعد قرنَين من العرض.. مانشستر يودّع مومياء «أسرو» احتراماً لرغبتها
أزال متحف مانشستر مومياء «أسرو»، الكاهنة المغنية في طيبة، من العرض بعد قرنين، احتراماً لرغباتها الموثقة، وقد تكون آخر محطاتها العودة إلى مصر.


