تخطَّ إلى المحتوى

وفاة راتكو ملاديتش في لاهاي وصربيا تُعدّ له مراسم دولة كاملة

هيئة تحرير أخبار إبحار نُشر 4 دقائق قراءة
وفاة راتكو ملاديتش في لاهاي وصربيا تُعدّ له مراسم دولة كاملة

تُوفّي راتكو ملاديتش، القائد العسكري السابق لصرب البوسنة والمدان بالإبادة الجماعية، يوم الخميس 27 آب/أغسطس 2026 في لاهاي بهولندا، حيث كان يقضي حكماً بالسجن المؤبد. وأعلنت الآلية الدولية لتصريف الأعمال القضائية المتبقية للمحكمتين الجنائيتين وفاته في المستشفى بعد تدهور صحته، فيما فتح رئيس الآلية تحقيقاً في ملابسات الوفاة. وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة، أعلنت بلغراد أنها ستُشيّعه بأرفع المراسم العسكرية ومراسم الدولة، في قرار أعاد إشعال انقسام لم يندمل في البلقان منذ ثلاثة عقود.

ما أعلنته المحكمة

في بيانها الرسمي، أكدت الآلية الدولية أن ملاديتش تُوفّي أثناء وجوده في المستشفى في لاهاي، وأنه كان في انتظار نقله إلى إحدى الدول لتنفيذ ما تبقّى من عقوبته. وأمرت القاضية غراسييلا غاتي سانتانا، رئيسة الآلية، بإجراء «تحقيق كامل» في ظروف الوفاة، وكلّفت القاضي إيان بونومي بإدارته.

وكانت الدائرة الابتدائية قد أدانت ملاديتش في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 بتهم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وقضت بسجنه مدى الحياة، قبل أن تُثبّت دائرة الاستئناف الحكم في 8 حزيران/يونيو 2021. وذكرت تركيا تودَي أن الوفاة جاءت بعد سلسلة جلطات دماغية، وأن وزير العدل الصربي كان قد طلب قبل أيام نقله إلى مستشفى عسكري في بلغراد، وهو طلب مماثل لطلب رفضته المحكمة في أيار/مايو الماضي معتبرة أن الرعاية الطبية المتاحة له في الاحتجاز كافية.

وتتباين المصادر في تحديد سنّه: فبينما ذكرت إذاعة أوروبا الحرة وشبكات أخرى أنه تُوفّي عن 84 عاماً، أوردت هيئة الإذاعة الأسترالية أنه كان في الثالثة والثمانين، ويعود الاختلاف إلى تضارب في وثائق ميلاده بين عامي 1942 و1943.

سِجلّ الحرب

قاد ملاديتش جيش صرب البوسنة خلال حرب 1992-1995، وارتبط اسمه بحدثين أساسيين. الأول حصار سراييفو الذي استمر نحو أربع سنوات وأودى بحياة أكثر من عشرة آلاف شخص وفق حصيلة أوردتها شبكة سي إن إن. والثاني مجزرة سريبرينيتسا في تموز/يوليو 1995، حين اجتاحت قواته منطقة كانت الأمم المتحدة قد أعلنتها «منطقة آمنة»، وأعدمت آلاف الرجال والفتيان البوشناق المسلمين.

وتختلف المصادر في الحصيلة النهائية: تتحدث سي إن إن عن أكثر من سبعة آلاف قتيل، فيما تضع الإذاعة الأسترالية الرقم عند ثمانية آلاف على الأقل، وهو التقدير الأكثر شيوعاً في وثائق المحكمة. وظلّ ملاديتش فارّاً ستة عشر عاماً قبل اعتقاله في صربيا عام 2011، ليقضي خمسة عشر عاماً في الاحتجاز الأممي حتى وفاته.

سريبرينيتسا هي المجزرة الوحيدة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية التي وصفتها محاكم دولية صراحةً بأنها إبادة جماعية، وهو توصيف أكدته محكمة العدل الدولية عام 2007 إلى جانب المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.

بلغراد تختار التكريم

يوم الجمعة، أعلن وزير العدل الصربي نيناد فويتش أن ملاديتش سيُمنح «أرفع المراسم العسكرية ومراسم الدولة»، بحسب ما نقلته سي إن إن. أما الرئيس ألكسندر فوتشيتش فقال، وفق وكالة الصحافة الفرنسية، إن اليوم «ليس يوم غناء ولا احتفال»، متعهداً بتنظيم المراسم إذا طلبت العائلة الدفن في صربيا. ولم يُحسم مكان الدفن حتى الآن، ولا ما إذا كانت المراسم سترقى إلى جنازة رسمية كاملة.

وشهدت مناطق في جمهورية صربسكا وصربيا وقفات ومسيرات تكريمية، بينما أعلن الزعيم الصربي البوسني ميلوراد دوديك أن الأمر يتعلق بجريمة قتل لا بوفاة طبيعية، ورفض توصيف ملاديتش كمجرم حرب. في المقابل، اعترضت المعارضة الصربية المؤيدة للاتحاد الأوروبي على قرار التكريم، وأصدرت موسكو تعازي انتقدت فيها المحكمة الدولية.

أصوات الضحايا

قوبل القرار برفض واسع في سراييفو وسريبرينيتسا. قالت سهيدة عبد الرحمنوفيتش من جمعية «أمهات سريبرينيتسا» لوكالة الصحافة الفرنسية إن المهم أنه «أُدين وأنه كان يقضي عقوبته». وأضافت ناجية أخرى، كادا هوتيتش، في تصريح نقلته رويترز: «تحقّقت العدالة يوم حُكم عليه بالمؤبد».

ورأى أمير سولياغيتش، مدير مركز سريبرينيتسا التذكاري والناجي من الحرب، أن الوفاة «لا تغيّر الكثير»، لأنها لا تستعيد عدلاً ولا تُصلح ذاكرة. وانتقد مسؤولون في اتحاد البوسنة والهرسك ما وصفوه بمحاولات التمجيد العلني لمجرم حرب مُدان، فيما وثّقت الجزيرة ردود فعل متباينة في الشارع البوسني بين ارتياح حذر وغضب من مراسم التكريم.

اختبار لما بعد المحاكمات

من نيويورك، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عبر المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك، عن تضامنه مع الضحايا والناجين وعائلاتهم، وشدّد في بيان صادر عن المنظمة على إدانته أي إنكار لإبادة سريبرينيتسا بوصفها حدثاً تاريخياً ثابتاً.

وتكمن أهمية اللحظة في أنها تختبر ما تبقّى من أثر العدالة الدولية بعد رحيل المُدانين. فالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، التي أُنشئت بقرار من مجلس الأمن عام 1993، أُغلقت عام 2017 وانتقلت مهامها المتبقية إلى الآلية الحالية. غير أن الأحكام التي أصدرتها لم تمنع، بعد سنوات، تنظيم مراسم دولة لأحد أبرز من أدانتهم، وهو ما يطرح سؤالاً عن حدود القانون الدولي حين يصطدم بالسياسة الداخلية — وهو السؤال نفسه الذي يتردّد اليوم في ملفات أخرى، من بينها تحذيرات مجلس الأمن من انهيار هدنة غزة.

ويبقى أن التحقيق الذي أمرت به الآلية في ظروف الوفاة، ومصير جثمان ملاديتش ومكان دفنه، سيحدّدان حجم الجدل في الأسابيع المقبلة، في منطقة ما زالت روايتان متناقضتان للحرب تتقاسمان ذاكرتها.

أُعدّ هذا التقرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفق سياستنا التحريرية.

شارك هذا المقال

اقرأ أيضاً